علبة شوكولاته فاخرة
كانت حزينة ومتعبة ، تتحسس أمام المرآة مواضع التجاعيد فى وجهها ، وهى تتحسر على ما فات من العمر ، فبعد سنوات من العطاء أصبحت تتسول الحب ، رحل زوجها وترك لها حملاً ثقيلاً . أولادها كبروا وكبرت معهم مشاكلهم ،بل ويطالبون بعطاء أكبر !. كان الضابط سيد بنظارته السوداء فى السوق حين رآها تضع حاجياتها من الخضروات وغيره على الرصيف لتستريح قليلا .اقترب حتى صار بمحاذاتها ، الحمل ثقيل، فعلاً ،ويبدو كأنه يشد جسدها كله إلى أسفل ، العرق يتصبب على جبهتها . وضع يده على الكيس الكبير وسحبه بقوة من يدها . لاحظ عودة وجهها لوضعه الطبيعي.
- شكراً لك .
- أليس لكى أولاد يساعدونك ؟
- أعتمد على نفسى وتوفير أيضاً.
ينادوننى الحاج سيد ،ضابط شرف على المعاش . تطوعت للخدمة فى سن صغير . أب لشابين متزوجين ،اعمل ،الآن ، فى شركة أمن . كان يتابعها بنظرة مستطلعة . أما هى فقالت : هانم شكرى ،من منازلهم !, ،زوجنى أبى وأنا فى السابعة عشر .كان من رجال قريتنا المعروفين،الزرايقة شرقية تعرفها ؟! ... وكان على علاقة بمأمور القسم، وهو الذى قدم أحد أقاربه للزواج بى ، كان موظفاً متواضعاً لطيفاً ،وكنت صغيرة جداً . أنجبت منه أربعة أولاد وبنت واحدة ،الكبير تزوج من زمن وله حياته الخاصة ،البنت أنجبت ولها مشاكلها أيضا . توفاه الله من عشرة أعوام ..دنيا ! .
- وماذا عن الآخرين؟
- الثلاثة الباقون لم يتزوجوا بعد ، واحد فقط يعمل ، ويبحث عن عروس منذ فترة !.
عندما وصل السكن أصر على حمل حاجياتها إلى الطابق العلوى ، كانت تشعر بالامتنان له، ودعته على كوب شاى فخجل ،لاحظ هدوءا وبانت عليه الدهشة ، إلا أنها عاجلته بقولها إنهم نائمون ، فنظر إلى ساعته باستغراب ، كانت الساعة الواحدة بعد الظهر ! اقتربت منه بتودد : لو تقدر تساعدنى فى إيجاد عمل لأيمن !، لا يكف عن شراء السجائر ويسهر مع أصحابه لساعات متأخرة !. حدجها بنظرة مشفقة وطمأنها : لا تقلقى نفسك يا أم أيمن سأفعل ما فى وسعى . مرت الأيام التى تلت ذلك اللقاء مفعمة بعبق سرى لكنه مبهج ، تتكاثف الغيوم ثم تتفرق فى هدوء ونظام ،تمطر لزمن ثم تخرج الشمس لتضىء الكون ، يصحو عادل مبكراً لعمله ، ثم تتبعه أمه بقليل ، تتناول أفطاراً بسيطاً من الجبن والخبز مع كوب شاى . اليوم غسيل ،وبينما تقوم ،كعادتها ،بتنفيض الملابس وجدت قطعة حشيش صغيرة فى جاكت خالد ، لعنت حظها واعتصر القلق قلبها على صغيرها ، مصدر بهجتها زمان ! . فى إحدى الأيام وبينما كانت تستعد لراحة العصر سمعت طرقا على الباب ،فتح أيمن فوجد سيد : مدام هانم موجودة ،تقدمت هانم من غرفتها مسرعة ورحبت به :مرحبا ..مرحبا . جلس الحاج سيد على كنبة فى الصالة . فيما جلس أيمن فى مواجهته وجلس خالد الصغير بجانبه .
- ماذا تشرب يا حاج سيد
- أرجوكى لا تتعبى نفسك ، أيهم أيمن ؟
- تحت امرك ياحاج
- جئت لك بوظيفة جديدة ،فقط إنتظر الباص غداً أمام صيدناوى الساعة الثامنة صباحاً
- إن شاء الله
احتقن وجه أيمن فيما راحت أمه تدعو للحاج.بعدها قام الحاج سيد معتذراً
-سامحينى السيارة تنتظرنى
- معقولة بدون كوب شاى
اقتربت منه ومدت يدها بورقة بها رقم هاتفها .فشكرها الحاج .
كان يشعر أنه يحمل لها رسالة خاصة . فى صباح اليوم التالى كان ينتظر داخل الباص ،وعندما تأخر أيمن ذهب ليوقظه ! .. أيمن .. أيمن ..خرج أيمن من الشباك : حاضر يا حاج انا نازل . فى العمل بدا فاقداً للتركيز يبحث عن أماكن المراقبة الهادئة وينام وعندما ينتبه يبحث عن سيجارة وكوب شاى ، ظل هكذا يومان وفى الثالث فتح الشباك وقال للحاج : تعبان اليوم مش رايح !. حاول معه مرة بعد ذلك لكنه أدعى أنه وجد عملا اخر . كان سيد يتلفن لهانم وتحولت العلاقة إلى صداقة بريئة، تفضفض له ويسمعها ثم يقول رأيه بأدب، تحكى عن ذكرياتها ويحكى بدوره . ومرة تشجعت وطلبت منه أن يبحث عن عروس لعادل الجاد بينهم ، والذي يقترب من الأربعين وحالته النفسية تسوء يوم بعد يوم . لم يتردد الحاج سيد ولم تضعف عزيمته ،فهو رجل عسكرى بالأساس ولا يعرف التراخى . سأل زوجته فدلته على إبنة المرحوم فتحى الشلقامى جارهم القديم ، فتاة صغيرة ، أنهت الليسانس هذا العام . حدث عمها فرحب وحدد يوما للزيارة . فرح عادل وذهب لشراء علبة شوكولاته فاخرة .ذهب معه سيد ،وقدمه لعم العروس ،كان رجلاً هادئا .ودخلت الفتاة بفستان وردى ، دون أن تنطق بكلمة واحدة إلا أن نظراتها كشفت خيبة أملها فى الخطيب الجديد . كأنه جاء على عكس ما رسمته أحلامها.
كان عادل شبه محبط ،يريد أن يتزوج ،يجد حلاً لعزوبيته ووهجها العاطفى وفى نفس الوقت يريح أمه ويبتعد عن أخواته المتعبون .
طمأن الحاج سيد أمه أن الخطبة تسير على ما يرام وأن العروس موافقة وأهلها جميعاً.
مرت أيام دون رد فعل حقيقى حتى إستشعرت هانم بغريزتها أن الموضوع لن يتم .ثم جاءت زيارة الضابط سيد المفاجأة لأهل العروس مستفسراً عن سر تباطأ الخطبة .فرد العم : مفيش نصيب .
غضب الضابط سيد ،وسألهم: لماذا وافقتم من البداية ؟
قال العم : هذا طبيعي، خطيب جاء لرؤية فتاة ويجب أن تقول رأيها!
- لكنك عند خروجى طمأنتنى
- معلش يا حاج آسفين، لم نكن نعرف رأيها؟
-, بل كنت تعرف .ردو للعريس علبة الشوكولاتة
-, كيف يا حاج ، كنتم هنا منذ عشرة أيام
- أنت بلا شك تهزر
-, بل جاد .ردو للعريس علبة الشوكولاتة
خرج غاضباً وهو يلعن الظروف التى جمعته بهم .كان يشعر بالحرج أمام صديقته .
عاد عادل لعمله ونسى موضوع الفتاة نهائياً حتى استقبل مكالمة ،وقدم المتكلم نفسه ، فعرف أنه عم الفتاة التى تقدم لخطبتها .قال له : أرجو ألا تكون زعلان منا ،معلش مفيش نصيب .
- حصل خير
-سؤال ممكن
-تفضل
-هل تريد علبة الشوكولاتة؟
- لا لا أريدها ، مفيش مشكلة !.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك