الكمساري.. قصة قصيرة
اسمه ليس مهمًا بقدر صفارته النحاسية حين يرفعها إلى فمه لتعلن بداية سطرٍ جديد من يومٍ طويل. كمساري الترام، يعرف أن المدينة لا تُرَى إلا من داخل عربات الترام، حيث تتجاور الحكايات بلا موعدٍ.
يمشي الترام، وتمشي معه الشوارع. كل تذكرةٍ يقطعها تضيف سطرًا إلى حكايةٍ لا تُروَى. يحفظ أسماء المحطات كما يحفظ أسماء أبنائه، يعرف أيها تُنزِل الفرح، وأيها تُسلِم الناس إلى صمتٍ أثقلَ من الحقائب. حين يمرُّ بمحطة سيدي جابر الشيخ، يتبدل الهواء؛ وحين يقترب من الأزاريطة، يهدأ الاضطراب قليلًا، يقف في المنتصف، يوازن العربة بقدميه، لا يرفع صوته إلا بالنداء، ولا يلين إلا حين يرى طفلاً يتعثر في الدرج، فيمدُّ له كفًا صامتة.
في ظهيرةٍ ممطرةٍ، تصعد فتاةٌ تحمل زهرةً حمراءَ جلست قرب النافذة، وراحت تنظر إلى الشوارع كمن تودعها واحدًا واحدًا. حين وصل إليها، ناولته ( النِكْلَة) دون أن ترفع رأسها. لمح في يدها ارتجافةً خفيفةً، وفي الزهرة وعدًا لم يكتمل. قطع التذكرة بتروٍ، كمن يمنح وقتًا إضافيًا لشيءٍ هشٍ، ثم مضى.
بعد محطتين، يصعد رجلٌ عجوز، يتكئ على عصا ويبتسم بلا سببٍ. قال بصوتٍ خفيضٍ:
- كل شيءٍ يمرُّ يا بني، حتى هذا الترام.
هزَّ الكمساري رأسه، وابتسم . فهو يعرف أن الأشياء لا تمرُّ وحدها.

حين توقف الترام فجأةً، اهتزَّت العربة، وسقطت حقيبة امرأةٍ من يدها. هرع إليها، ناولها إياها، يدرك أن وظيفته حفظ الاتزان، أن يبقي الناس في مقاعدهم مستريحين، فالترام يمنح المدينة إيقاعًا لا ينكسر.
مع الغروب، يصير الضوء أكثر لينًا. تتلاشى الأصوات العالية، وتبقى همهماتٌ خفيفةٌ. عند آخر الخط، ينزل الركاب في محطة الرمل واحدًا واحدًا، ويبقي هو للحظةٍ داخل العربة الفارغة. يلمس الكارنيه في جيبه، يتحسَّسه كمن يتحسَّس دليلًا على وجوده. يعرف أن اسمه مكتوبٌ فيه، وأن الصورة المثبتة فيه تشبهه إلى حدٍ ما، لكن ما لا يُكتَب هو ما يصنعه كل يوم ولا يصفق له أحدٌ.
يغلق باب العربة، وينزل. المدينة أمامه، والليل يبدأ حكايةً جديدةً. يمشى والطربوش ثابت فوق رأسه بخطواتٍ واثقةٍ. لم يكن بطلاً في خبرٍ يذيعه الراديو، ولا صورةً في صحيفةٍ، لكنه جزءٌ من نبضٍ لا يتوقف. وفي الغد، سيعود، يرفع الصفارة، ويعلن دون كلماتٍ، أن الإسكندرية ما زالت تمشي.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك