من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

"جرأة الأحرف"

سمر الجيزاوي


قيل لي يومًا إن حرفي خجِلٌ يكبّله الحياء، وحين كتبتُ: (أنّ الطهر يضاجع الرذيلة متخفّيًا تحت عين السماء)، صفعتني إحداهن بقولها: ربّ كلمة لا يُلقى لها بالًا تُلقي بصاحبها في النار.


حقيقةٌ ألجمتني عن الرد، وجعلتني أتساءل:

أين موضع الابتذال؟ وهل جرأة اللفظ هي الحَكَم؟ أم إباحية التعبير؟ ومن على أحرفنا رقيب؟ أحقّ الكلمة واحترام الأدب؟ أم عين ناقد لا يفقه بالنقد سوى نونه منقوصة النقطة؟

تساءلت الأحرف حين سطرناها: أيَّ المعاني تلك التي نعنيها؟ وتستحي الكلمات إن أردنا تحررها، وتتوارى خلف حجاب الستر عن مقصدها أو ما تروم.


فمن ذا الذي يكبّل الأحرف بسلاسل من هجاء؟ ومن يراقب أحرفًا أخرى حين نقرأها نشعر بازدراء؟ وهل تُلعن الكلمة فقط من تشكيلها؟ أم تتأتّى لعنتها بجملة تحمل من المعنى ما يُولِجُكَ في غيابات الظنون؟


وهنا انتصبت إشكالية تشعل عقلي: كيف أفرّق بين جرأة الحرف وخلاعته؟ ففي وسط انتشار ذاك الكمّ المهول من مهاترات البشر مسطورةً بأحرفٍ مموّهة؛ تتلمّس منحنى متسارعًا نحو جرفٍ منحدر، فقط لتداعي الانتشار والشهرة. فتجد من يمثّل على الورق مشاهد إباحية بصورةٍ فجّة دون استخدام لفظ المضاجعة، ولكن تصلُك رؤيته وإثارته واضحةً جليّة. إذًا فالعبرة ليست في اللفظة نفسها، بل —أقصد العبرة— في المعنى الذي ترومه. وحين أضحى للعالم الأزرق وجودٌ كونيّ، تهاوت على أرصفته أوراقٌ من كلماتٍ عليلة لن ترقى لاصطلاح الكتب.


ليس ذاك فقط، بل انتشرت العديد من الكتابات التي رفع أصحابها نقاب الحياء عن وجه أقلامهم، ولمّا لم تكن هناك رقابة داخل هذا العالم الأزرق، رغم سرعة انتشار المعروض من خلاله، حتى أصبح ملجأ كل من لا هوية له. وصدقًا أتساءل:

من أخبر هؤلاء أن تراصّ الأحرف دون نظم بيانٍ وروح لغةٍ يجعل صاحبها كاتبًا؟

من أخبرهم أن التعبيرات الإباحية والمصطلحات الموحية ستجعل منهم أدباء؟!

أين يكمن موضع الخلل إذًا؟

إنها رقابة غضّت بصرها عن أحرفٍ من إيحاء؛ جعلت كلَّ من سوّل له قلمه المعلول أن يكتب للبغاء، ويعزف لحنًا من نشازٍ يثير غرائز الضعفاء. ويكأنّ هذه الموجة المحمّلة بغثاء سيل الدنس ستستمر؟! بل ستلعنها عيونٌ أخرى تأبى على روح الأدب الرثاء.


ولم تسلم دور النشر من الانغماس في الخطيئة؛ فقد عُمِيَت بصيرتها عن زهورٍ حقيقية ذات روائح عبقة، ودررٍ من أدبٍ كاد أن ينقرض كديناصوراته الأُوَل. فهي تسعى خلف ربحٍ مُرابى لثوبٍ مهترئةٍ أنسجته؛ فلا الناسج أتقن الغزل، ولا طاب قانون العرض والطلب بين البائع والمشتري الجاهل بحسن الاختيار. فمنحت حقًّا لمن لا حقّ له، وألبسته حلّةً براقةً تُبهر الأعين دون أن يغتسل من رائحة الروث العالقة بجسده.

والآن فقط أرى أن الإشكالية المزعومة قد انجلت، واتضح أن الجرأة والإباحية على كفّتي ميزان الكلمة تتأرجحان، ولا تزِن إحداهما الأخرى. فالجرأة في النص كثوبٍ يليق بأنثاه، فيزيدها دلالًا وغنجًا دون أن يخدش حياء الكلمة. أمّا الإباحية فهي ثوبٌ غير متناسق الألوان، يحمل من العري ما يهتك ستر الكلمات، ويوصمها بالعهر والبغاء.


تحضرني مقولة فرنسية تتغنّى بها صديقتي دومًا عند حديثنا عن ماهية إعلامنا البرّاق: (الإعلام يفكّ شفرة المعلومة ويعطي الكلام لمن لا يستطيع التعبير). بيد أنني لم أرَ إلا إعلامًا لا يعي دوره الحق في التوعية، وتتجلّى بينونته في تمجيد المهمّشين وتهميش الأدباء، حتى تتهاوى قوانين التسويق أمام العرض المزري للسلع الأكثر رواجًا وطلبًا من قبل المستهلك المعدم الثراء اللغوي؛ فهو فقيرٌ للحد الذي يؤهله لاستقبال ذاك النوع من الكتابات عقيمة اللغة الخصبة والغاية الأدبية.

فمن يرفع الغمام عن عين الرقابة فتقوم بدورها في طمس هوية المتسلّقين لجدران الأدب بلغةٍ من زجاجٍ مهشّم يُدمي جسد الإبداع؟ ومن يصفع الإعلام على عين وجهه فيُسقط عويناته السوداء كي يكفّ عن رفع شأن من لا أدب له ولا لغة، ويزيل غبار العتمة عن أدباء حملوا راية الإبداع الأدبي؟ ومن يخبر دور النشر أنهم سيُسألون عن أوراقٍ وُضعت بين أيديهم، فطبعوا عليها كلماتٍ من حروفٍ مصيرها الاندثار؟ وأين دور القارئ المخضرم في الإبلاغ عن نصوصٍ كتلك، ويمنع أصحابها من مزاولة المهاترات؟

فلربما استفاق هؤلاء أخيرًا، وتساءلوا كيف سيواجهون يومًا أبناءهم إن قرأوا هراء ما يسطّرون.

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

6248
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.