رؤية ذائقية لقصة "هدير " للأديبة مي محسن عامر
نحن أمام نص لا يواجه قارئه بوصفه حكاية تُروي ، بل يُخضعه لاختبار أخلاقي ، يجبره على إعادة النظر في مفاهيم الذنب والعقاب والسلطة قبل أن يمنحه حق الفهم .
يقوم النص على بنية سردية واعية اعتمدت فيها الكاتبة مي محسن عامر على تقنية الفلاش باك المؤجل ، حيث اعتمد السرد على إرجاء الكشف عن أسباب ما يحدث إلى ما بعد منتصف القصة ، فيضع القارئ منذ البداية أمام موت متكرر وأحداث غرائبية تبدو وكأنها لعنة غير مفهومة . غير أن هذا التأخير لا يخدم التشويق فقط ، بل يعمل فلسفيًا على قلب منطق السرد ؛ فالعقاب يسبق الجريمة زمنيًا ، تمامًا كما يسبق الإحساس بالذنب الاعتراف به ،وحين يعود الماضي لاحقًا ، لا يأتي بوصفه تفسيرًا بقدر ما يأتي كفضح لبنية اجتماعية مارست العنف ثم حاولت دفنه بالصمت .
في هذا الإطار تتكامل البنية الرمزية مع اختيار عنوان النص واسم شخصيته المحورية " هدير " الذي يشكل العصب الفلسفي للعمل .
فالهدير هو صوت الماء الذي يسبق سكونه ويتحول من عنصر حياة إلى قوة جارفة ، وهو ما يوازي مسار الشخصية ذاتها ، إذ لا تعود هدير بوصفها جسدًا أو شبحًا تقليديًا ، بل بوصفها صوتًا مرتًدا ، صدى للحقيقة التي حاولت السلطة الذكورية إسكاتها عبر القمع ، والدفن ، والإنكار.
الاسم هنا لا يسبق النص ولا يشرحه ، بل يعمل تدريجيًا ، ولا يُفهم إلا بعد أن تتكشف الجريمة عبر الفلاش باك ، تمامًا كما لا يُسمع الهدير إلا حين يبلغ الماء ذروة اضطرابه .

ويتعزز هذا البُعد عبر توظيف الماء بوصفه عنصرًا مركزيًا للموت : ماء يُغرق ، ماء يحرق ، ماء يصعق . هذا الانقلاب الدلالي ــ بين الماء بوصفه أصل الحياة ووسيلة الفناء ــ يعكس جوهر الفلسفة التي يقوم عليها النص ، حيث تتحول القيم التي يُفترض أن تحمي " الأسرة ، الشرف ، الوصاية " إلى أدوات للإبادة . وهكذا لا يكون الماء مجرد وسيلة قتل متكررة ، بل معادلًا رمزيًا للسلطة ذاتها حين تُفَرغ القيم من معناها الإنساني .
ولا ينفصل هذا التوظيف عن اختيار المكان ، الذي يُقدَّم في القصة بوصفه مكانًا عقابيًا لا خلفية محايدة . فالريف بما يحمله من سلطة عرفية وجماعية ، يمثل فضاء الجريمة الأولى ؛ المكان الذي تُنتج فيه السلطة الذكورية فعل القمع وتمارسه باسم القيم ، فيتحول الماء ــ الترعة ومياه الرى ــ من مصدر حياة لشاهد صامت على العنف ووسيلة لابتلاع الحقيقة . هنا لا يعاقب المكان الجناة مباشرة ، بل يحتفظ بالجريمة كامنة في نسيجه مؤجلًا فعل العقاب .
أما المدينة ، فلا تُقدم بوصفها فضاء خلاص بل كامتداد عقابي مؤجل ، تُعاد فيه صياغة العنف ذاته داخل فضاءات مُغلقة ومعزولة . ماء ساخن يحرق ، ماء موصول بالكهرباء يصعق ، في توازٍ واضح مع تحوّل السلطة الذكورية من جماعية معلنة إلى فردية خفية . وهكذا تتحول الشقة والحمام إلى أمكنة تنفيذ للعقوبة ، حيث يُحاصر الجسد ويُستدعى الذنب بعيدًا عن أعين الجماعة .
المكان هنا أُعيد إنتاجه حيث انتقلت القيم التي أنتجته ، فالشخصيات لا تهرب من العقاب بالانتقال من الريف إلى المدينة ، لانها بالفعل تحمل الذنب معها ، والمكان ما هو إلا أداة التنفيذ .
ويرتبط بذلك رمز العين المثقوبة ، الذي يتجاوز دلالته الجسدية ليشير إلى إلغاء الرؤية والشهادة والاعتراف . فقء العين هو الفعل المؤسس للسلطة القامعة ، وحين تعود العين في هيئة ثقب أسود يبتلع من ينظر إليه ، يتحول القمع إلى مصير وجودي يُجبر الجُناة على مواجهة عمائهم الأخلاقي . هذا الرمز لا يظهر مكتملًا منذ البداية ، بل يتكثف قبل الفلاش باك ويُعاد شحنه دلاليًا بعده ، في انسجام واضح مع منطق السرد المؤجل .
أما المرآة والحيوانات فرغم استهلاكهما الرمزي في السرد النفسي ، فإنهما يؤديان هنا وظيفة داعمة داخل هذا النسق ؛ فالمرآة لا تعكس الذات كما ترغب أن تُرى ، بل كما صارت بعد الجريمة ، فيما تمثل الحيوانات ضجيج الجماعة وصداها . لا بوصفها عناصر مستقلة ، بل كامتداد لصمت بشري متواطئ .
في المحصلة لا تقوم فلسفة النص على الرعب بوصفه غاية ، بل بوصفه نتيجة حتمية لقمع الصوت الانثوي ، وتحويل الحياة ذاتها إلى اداة عقاب . وبهذا المعنى فإن " هدير " لا تُشير إلى شخصية بعينيها ، بل إلى لحظة انفجار المعنى حين يفشل الصمت ، ويعود الصوت ــ مثل الماء ــ قوة لا يمكن احتواؤها أو النجاة منها ، ليحوّل كل مكان يوجد فيه إلى ساحة عقاب ومواجهة مع ذنب لم يُعترف به .
يصعب الركون بهذا النص إلى نوع أدبي واحد على نحو حاسم ، إذ يتحرك في منطقة تماس بين الرعب النفسي والرمزية الفلسفية والسرد الاجتماعي . لذا يمكن اعتبار النص مثالًا على السرد العابر للأنواع ، حيث لا تستخدم الاجناس الأدبية كقوالب جاهزة ، بل كوسائط تُعاد صياغتها لخدمة رؤية فلسفية تتجاوز التصنيف التقليدي .
وعلى الرغم من الثراء الرمزي والبناء الفلسفي المحكم ، فإن النص لا ينجح دائمًا في توليد الإحساس الكامل بالرعب بوصفه تجربة شعورية ،إذ يظل الرعب في مواضع عدة ذهنيًا أكثر منه دراميًا .
فالقارئ يدرك الخطر ويتأمله ، لكنه لا يعيشه بالقدر الذي يفرضه هذا النوع من السرد ، ويعود ذلك في جانب منه ، إلى افتقاد بعض المشاهد للذروة الانفعالية التي تسمح بتصاعدى التوتر تدريجيًا ، فتبدو لحظات الموت ، أقرب إلى نتائج معلنة منها إلى تجارب معاشة .
كما تشهد بعض المقاطع نزوعًا تقريريًا ، حيث يُعلن المعنى بدلًا أن يُترك ليتشكل عبر الصورة والصمت .هذه الهنات وإن كانت محدودة تُضعف الحس الدرامي في مواضع كان يمكن يصدق فيها الإيحاء ، لا سيما في نص يراهن أساسًا على الرمز والتأجيل ، مثلا : بأن يترك للقارئ استنتاج طبيعة الخطر " حركة الماء ، ارتباك الجسد امام المرآة ، تغير الإضاءة " ليولد توترًا دراميًا أعلى ، ويمنح الرعب بعده الوجداني لا الذهني فقط . ومع ذلك لا تسقط هذه الملاحظات القيمة الجمالية للعمل ، بقدر ما تفتح أفقًا لتطويره دراميًا بما يوازي عمقه الفكري .
أخيرًا النص انتهى دون أن يمنح القارئ الراحة ، بل راهن على القلق بوصفه قيمة معرفية .
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك