من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

"ينتظرني " .. قصة قصيرة

سمير لوبه


حين فتحت حقيبتي القديمة لم أتعمد البحث عن شيءٍ بعينه، كنت فقط أهرب من ضجيج أفكاري، ومن رأسي الذي صار يرن بأسئلة لا تنتهي. في الحقيبة وبين أوراقٍ وصورٍ من زمنٍ بعيدٍ، وجدت صورةً. صورة محاطة بإطارٍ أبيضَ مهترئٍ. أمسكتها بيدٍ مترددةٍ، كمن يخشى أن يوقظها .

صورة طفلٍ في السادسة بقميص داكن، وشعرٍ مرتب أكثر مما ينبغي، له نظراتٌ تتساءل وابتسامةٌ غير مكتملةٍ تراجعت في اللحظة الأخيرة. الغريب في الصورة تلك النظرة الثابتة، جلست على حافة السرير، وضعت الصورة أمامي، وسألت بصوتٍ مسموع:

 - ماذا كنت ترى؟

لم يجب الطفل بالطبع. 

في تلك اللحظة، قررت ربما بدافع السأم أو الفراغ أن أضع الصورة أمامي وجلست قبالتها، وأطفأت الضوء، وأبقيت مصباحًا صغيرًا ، ثم قلت:

 - سأحكي لك، وتحكي لي.

ضحكت من نفسي، لكنني بدأت. حكيت له عن المدينة التي كبرنا فيها، كيف صارت أضيق، وكيف صار البحر بعيدًا رغم أنه في ما زال في مكانه، حكيت عن عملي الذي لم أحبه، عن الوجوه التي صادفتها، عن الحب الذي مرَّ في حياتي كضيفٍ متعجلٍ، وعن الخيبات التي لازمت حياتي.

وحين انتهيت، حدث شيءٌ لم أتوقعه.

الصورة تغيَّرت؛ الابتسامة صارت أوضح قليلًا، أو ربما أنا الذي صرت أراها بوضوحٍ.

في اليوم التالي وضعتها في جيبي، وخرجت. كنت أشعر بالطفل يرافقني، دخلت المقهى، طلبت قهوتي، أخرجت الصورة، وضعتها على الطاولة، فجاء القهوجي ونظر إليها ثم قال مبتسمًا:

 - ابنك؟

هززت رأسي نافيًا، وقلت:

 - صورتي وأنا داخل ابتدائي. 


في المساء، وضعت الصورة أمام المرآة، نظرت إليَّ، نظرت إليها، ونظر الطفل إلينا، شعرت أن الزمن غرفة دائرية نتحرك فيها ونظن أننا نبتعد، بينما نحن نلتقي بأنفسنا.

قلت له: 

- هل كنت تحلم بشيءٍ؟

هذه المرة، جاء الجواب، ليس صوتًا، إنما ذكرى.

رأيت نفسي طفلًا أجلس على الأرض، أرسم بابًا على الحائط، بابًا بمقبضٍ كبيرٍ، كنت أقول لأمي أنني سأفتحه وأدخل عالمًا آخر، ضحكت أمي، وربتت على رأسي، وقالت: 

-      لمَّا تكبر الأول. 

كبرت، ولم أفتح الباب.

في الليالي التالية، صار بيني وبين الصورة طقسٌ صامتٌ. أضعها أمامي، وأتذكر التفاصيل الصغيرة، صوت الراديو، رائحة تبغ أبي الذي لا يكف عن التدخين، الخوف من الظلام، الإيمان الساذج بأن كل شيءٍ سيتحسن تلقائيًا عندما أكبر.

وفي إحدى الليالي، سألته:

 - متى خذلتك؟

لم تظهر ذكرى هذه المرة، إنما إحساسٌ بالاعتذار لطفلٍ انتظرني طويلًا .

في الصباح، حملت الصورة وذهبت إلى بيتنا القديم، جلست في الصالة أمام صورة أمي، ووضعت الصورة بيننا، وقلت:

 - هل تتذكرين هذا اليوم يا أمي؟

رأيتها تبتسم لي بحنينٍ دافئ، تذكرتها وهي تقول لي:

 - هذا يومٌ قلت فيه أنك خائفٌ من أن تكبر.

عدت إلى بيتي، وضعت الصورة في إطارٍ جديدٍ، وعلقتها على الجدار المقابل لمكتبي. لم تعد ذكرى، صارت مرآةً. كلما هممت بتأجيل حلمٍ نظرإلىَّ الطفل. وإذا فكرت في التنازل عن شيءٍ أحبه التقت عيناي بعينيه.

الطفل في الصورة لم يعد ينظر بعيدًا. صار ينظر إليَّ مباشرةً.

لم أندهش، فقط أدركت أن الطفل الذي كنته كان ينتظرني طوال الوقت .

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

6257
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.