من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

بين نصية الرسالة وقابلية التلقي مقدمة كتاب " الحليب الأسود"

رانيه متولي بلاط
 بين نصية الرسالة وقابلية التلقي مقدمة كتاب


يعتبر النص نقطة تلاقي العديد من المجالات المعرفية، بل لا يكاد يخلو مجال من وجود النص. إلا أن وجهة النظر، وطريقة الاشتغال، وأشكال المقاربة، تختلف من مجال إلى آخر، ومن شخص لآخر، ومن نص لآخر. ولعل ذلك راجع لما عرفه ويعرفه مصطلح النص من تعدد دلالي، تطور عبر التاريخ، وعلى ذلك يجب بناء "مفهوم النص من جملة المقاربات النقدية التي قدمت له في البحوث البنيوية والسيمولوجية الحديثة".

 والمفهوم الاصطلاحي للنص – كما عرفه علماء المذاهب اللغوية الحديثة - :" بناء يتركب من عدد من الجمل السليمة مرتبطة فيما بينها بعدد من العلاقات، وقد تربط هذه العلاقات بين جملتين أو بين أكثر من جملتين"، فهو وسيلة لغوية أو عملية تعبيرية قوامها الوحدات اللغوية لنقل أفكار منتج الكلام أو مؤلفه إلى المتلقي، قارئا أو مستمعا ، وليس هدفا في ذاته ، وإنما هو عملية خطابية بين المرسل والمستقبِل. وقد وضع ( روبرت دي بوجراند ) معايير للنص الجيد والمقبول لدى جمهوره المعني به وهي : ( السبك، والحبك، والقصد، والقبول، والإعلامية، والمقامية، والتناص) ويمكن تصنيف هذه المعايير إلى جوانب تخص العملية التواصلية للنص، فمنها ما يتصل بالنص في ذاته وهما: السبك والحبك، ومنها ما يتصل بمستعملي النص ( منتجا، أو متلقيا)، وهما القصد والقبول، ومنها ما يتصل بالسياق المادي والثقافي المحيط بالنص وهي :الإعلامية، والمقامية، والتناص، وواضح أن هذه المعايير تناولت النص من جميع جوانبه؛ حيث إن معيار السبك يعنى بالربط النحوي بين أجزاء النص، ومعيار الحبك يعنى بالربط الدلالي أو الموضوعي للنص، ومعيار القصد يعنى بهدف المنتج، أو المؤلف من النص، ومعيار القبول يعنى بموقف المتلقي من قبول النص، ومعيار الإعلامية يعنى بتنوع المعلومات الواردة في النص، ومعيار المقامية يعنى بتعلق المناسبة الموقف للنص، ومعيار التناص يعنى بالسياق الثقافي أو التداولي للنص، فالنص قد يتوسع، ليشمل أي علامة لغوية دالة، سواء مكتوبة أو منطوقة أو إشارة مرئية كلغة الإشارات. فالنص في نظره قد "يتألف من عناصر ليس لها ما للجملة من الشروط ( كالعلامات والإعلان والبرقيات ونحوها. ، ويُبنى النص على أساس الجانب الشكليّ أو ما يُعرف بالخطاب، وغالباً ما يستعمل الكاتب أساليب بلاغيةً في النص، يهدف من خلالها إلى شدّ المتلقي لمضمون الكلام الذي يتمّ سرده، ويتكون من عدة عناصر أساسية لابد من تحققها أثناء القراءة حتى يستطيع القارئ للوصول إلى مراده من النص القراءة ضرورة حياتية، ويختلف النّاس فيها حسب عاداتهم وطرقهم، فهناك القراءة الأكاديميّة التي لا بدّ منها، وهناك القراءة الثقافيَّة، وهناك القراءة العشوائيَّة، ومع هذه الأنماط جميعاً يتنوع الناس في طبيعة ووصف قراءاتهم، فهناك القراءة السطحيَّة التي لا تحقق الثمرة المرجوّة منها، وهناك القراءة الصحيحة والناجحة التي تترتب عليها ثمارها الإيجابيّة، وبين هذا وذاك هناك قراءات أخرى متوسّطة الأوصاف، والجودة، فوصف القراءة وشكلها وطبيعتها يتبع سلوك الإنسان في كيفيَّة تعاطيه مع القراءة.


ومما لا شك فيه أن الأديب مهما ارتفع في ذروة الفكر، وحلق في سماواته، لا مفر له من أن يستنشق جو عصره، سواء أكان هذا الجو صافيا رائقا، أم ملوثا فاسدا، ولا قِبَل له على قطع الصلة بينه وبين العصر، والتخلص من قيوده، والإفلات من عيوبه، أو حسناته( )، والإبداع باتجاهاته المختلفة في أي أمة من الأمم هو عنوان حضارتها، والقوة التي لا تستطيع كبح جماحها، أو القضاء عليها، لاسيما في هذا الجو الساخن الملتهب الذي يتسم بالسرعة والتحول، المحاط بدواعي التغيير والتفتح على كل ما من شأنه إدخال قيم ومبادئ ومعايير جديدة تمس الحياة من جميع جوانبها، ولو كان ذلك عن طريق تحطيم قيم ومعايير ومبادئ قديمة ومحو تلك العادات والتقاليد الأصيلة، التي تعارف عليها الأجداد وتوارثها الأجيال من بعدهم، وهذا الانحراف عن طريق التطور الطبيعي الذي لابد منه لكي يتم لابد من وضع بذرة الإبداع في أذهان العباقرة النوابغ من طائفة الأدباء والمبدعين من غير جهد أو قليل مشقة، ولاشك أن الرؤى الإبداعية والملامح الفنية تتغير معالمها بتغير الطابع الحضاري، ومدى ما يعكسه هذا الطابع على نفسية المبدع أو الفنان القائم بأي عمل إبداعي ويكون نتاج ذلك حسب المنتج الإبداعي جراءة وانطواء، انبساطا وقبضا، تساميا وانحطاطا،واحتفالا بمعاني الخير، وحب إظهار صور الجمال، أو الضرب عبثا وانتكاسا في براثن الخيوط الباهتة، والمعاني الهزلية الساقطة، واختيار التملق بمعاني السوء، والعمل على تصوير القبيح في معرض الحسن الجميل، بما يظن منه أنه ملائم لذاك الطابع الحضاري الذي يفرض على المبدع حيثياته ومتطلباته  .

والحق أن هذا العمل الأدبي المعنون بـ " الحليب الأسود" للأديب الشاعر رينيه متولي بلاط من الأعمال الأدبية التي تنادي في نصوص صفحاتها بمعايير ثابتة ينبغي أن يتصف بها كل أبناء المجتمع الواحد، مناديا بمحاربة كل ما من شأنه أن يكون حجر عثرة في طريق القيم المجتمعية والمبادئ الإنسانية الحياتية، كما أنه لم يكن بعيدا عن الصراع الدائر بين أطياف الوطن بانتماءاتها الاجتماعية المختلفة، بل كان واحدا منها، يتحاور مع المثقفين من خلال عقولهم، ويتحدث مع العامة على قدر استيعابهم وإمكانية قبولهم للنص، وما يطرح عليهم من آراء وأفكار، فكانت نصوص هذا العمل الأدبي الموسوم بـ "الحليب الأسود" الناس جميعا، مثقفين، وغير مثقفين، ساسة واجتماعيين، الشباب والشيوخ، وأهل الصنعة ورجال الدين... إلخ،

وإذا كان مفهوم البيئة يختلف من ناقد لآخر، كما هي عند العقاد – مثلا – تعني البيئة الفكرية والثقافية لا المادية، وعند أمين الخولي تعني الزمان والمكان وما يحوط بالإنسان( )، فهي العنصر الأساس الذي يؤثر في تشكيل الجانب الوجداني لدي الشعراء، فالشاعر ابن بيئته، يتأثر بها، ويؤثر فيها، وإن كان من الأدباء من يستطيع أن يخفي معالم بيئته في نصوص أدبيه شعرا أو نثرا ، فإن الغالب ظهور أثر البيئة في كثير من شعر الشعراء وأدبهم، والأديب (رانيه متولي بلاط) من الأدباء الذين أظهروا صورا لبيئته، وتأثيرها في تكوين الجانب الوجداني لديه، بما تحمله البيئة الريفية من صفاء ونقاء، وطبيعة فطرية تؤسس في صاحبها مجموعة من المثل والأخلاق، يتسم بها، وتظهر في معاملاته تارة، وعلى السنة أقلامه - شعرا ونثرا – تارة أخرى، فدائما ما يشدو بالخصال النبيلة، والصور الفطرية الصافية التي غٌرِسَت فيه منذ نعومة أظفاره، وتعلمها من آبائه وأجداده .

ولم تكن البيئة المحيطة بالكاتب والأديب " رانيه متولي بلاط " وحدها هي المصدر الملهم له فحسب ، بل بما يركز في الداخل من معارف متنوعة ، وثقافات مختلفة ، وتمثل هذه المصادر التي استمدها من هذا الرافد الثقافي كالتي يراها حوله مشاهدة محسة " فالشاعر أو الأديب لا تنموا ملكاته البيانية وهو عاطل، وإنما لابد له من الخبرة بتراثه ، ووعيه ، وحينئذ تنطبع في نفسه صور التشبيهات " .

على الرغم من أن الأديب الشاعر " رانيه متولي بلاط " مسبوق بمصادره الفنية التي اشتمل عليها هذا العمل الأدبي المبدع ، إلا أنه لم يقف على حد الأخذ ، بل نراه أضاف إلى تلك الصور ما يخلع عليها ثوب الجدة والحداثة ، و أنه على الرغم من الاتفاق في المصدر الفني أو البياني مع غيره ممن سبقوه ، إلا أنه يظهر لك من أول وهلة ما بين الصورتين من اختلاف وتباين ، مما يدل على أنه قد استوعب القديم وهضمه ، فأجاد في التعبير والتصوير، وأوضح معانيه، وكشف عن مكنون مبانيه .

ويظهر ذلك جليا في أولى عتبات النص في هذا العمل الأدبي وهو العنوان "الحليب الأسود" وما يحمله من تضاد معنوي بين لفظة "الحليب" بما توحي إليه من البياض الصافي الناصع، ولفظة "الأسود" وصفا لها، والسواد مضاد لهذا البياض، إن المتأمل في هذا التضاد يقف على مراد الكاتب من النصوص التي احتوى عليها هذا العمل الأدبي، وهي وإن كان ظاهر العنوان يوحي بروح التشاؤم لدى الكاتب، إلا أن تلك النصوص الداخلية التي احتواها هذا العمل الأدبي تبث في نفوس المتلقين روح العمل، الداعية إلى الأمل في مستقبل تشرق فيه شمس الحرية وقد كسيت بثياب المبادئ، وترفلت بوشاح الفضائل التي كادت أن تندثر بين أطياف المجتمعات، وبنات الأفكار، وسويداء القلوب.

وإذا تحدثنا عن " الحليب الأسود" دراسة نقدية من حيث الأساليب والمعاني، فإننا نجد أن أسلوب الكتاب من خلال نصوصه يمكن أن نطلق عليه السهل الممتنع، فالقارئ لتلك النصوص التي حواها هذا العمل الأدبي من بدايتها حتى نهايتها، يشعر بأنه يستطيع مجاراتها، العمل على الإتيان بمثلها لفظا ومعنى، بيد أنه إذا رام ذلك أعياه الطلب، وبعد به المنال، وعاد عاجزا، مقرا بجمال النص الأدبي وفصاحة أسلوبه، بداية من العناوين الفرعية، متضمنة نصوصها الأدبية، وأما الأسلوب من خلال البنية التركيبية، فإن نصوص هذا العمل الأدبي تتسم بسلامة التراكيب، مع وضوح معانيها والوصول إلى دلالاتها ومقاصدها التي تجيش في نفس الكاتب، فتصل للمتلقي في صورة واضحة فتتمكن في نفس القارئ كتمكنها في نفس الكاتب، وكأن الكاتب يهدي المعنى إلى القلب في أحسن صورة من اللفظ ، ناهيك عن تلك الصور الفنية، والأساليب البيانية المنتشرة والمبثوثة في ثنايا العناوين الفرعية، وما تشتمل عليه من نصوص أدبية، تلك الصور التي تحتاج إلى دراسات نقدية، ومقاربات جمالية، حتى نستطيع الوقوف على ملكة الكاتب الأدبية، ومقدرته الفنية على التأثر والتأثير من خلال تلك النصوص الأدبية المذكورة في هذا العمل الأدبي.

أما الصورة الفنية فقد اعتنى بها الكاتب عناية فائقة، فاهتم في نصوصه بإظهار خصائصها، وكيفية تشكيلها، واختيار الوسائل الصالحة لنجاحها، فظهر فيها صدق التجربة، ووحدة الفكرة، والتعبير الفني للبارع الذي يميز العمل الأدبي عن التفكير المجرد وذلك لأن " العبارة الحسية أغنى بقوة رمزها، وما يرقد تحتها من احتمالات ، أو ما تستدعى من إحساسات وخواطر من العبارة المجردة التي لا تملك – عادة – غير محمولها المحدد " ، كما نراه قد اعتنى في تلك النصوص الأدبية الذي تضمنها : الحليب الأسود" بالاتجاه الالتزامي وقد أخذ على نفسه الخروج من ربقة النقد الأدبي القديم القائم على جودة اللفظ وحسن المعنى ، وانتظام الوزن والقافية ، إلى رحاب النقد الحديث والالتزام بالقضايا الاجتماعية والسياسية وإظهار القيم الأخلاقية ، وهذا مبثوث ومنتشر في نصوص الكتاب، بل في أعماله الأدبية قاطبة .

ولعل من أبرز الخصائص الفنية الظاهرة في تلك النصوص الأدبية هو تعاون أكثر من وسيلة تصويرية في الصورة الواحدة ، كالمجازي اللغوي ، والكناية ، والمجاز العقلي ، كما أنه استعان ببعض الفنون البلاغية من علوم المعاني والبديع ما رشح به فكرته ، وقوى بها معانيه ، ووصل بها إلى حد الإفهام ، توضيحا وتفصيلا لتلك القيم الأخلاقية المرجوة ، وذلك لأن الصورة خلية حية في نظم الكلام ، ودراستها بمعزل عن سياقها في الجملة يفقد دراستها منابع الرونق والجمال، ويخلع عنها مصادر الروعة والبهاء ، ويجعلها في معزل عن مكانها المخصص لها في تراكيب الكلام وسياقاته .

وعلى كل : فإن "الحليب الأسود" كعمل أدبي جدير بأن يكتب في السطور، ويحفظ في الصدور، ويقتنى في المكتبات ، فهو وإن كان موسوما بأنه عمل أدبي، إلا أنه في مضمونه يعد شعلة أمل، أو شحنة عمل، تساعد المتلقي أو القارئ على رسم حياة أفضل، ومستقبل مشرق، تداعبه الحرية، ويأنس بصحبته الأمل في فجر ينتظر حين يجن الليل.

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

6274
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.