من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

«مأساة طفل» ..قراءة أدبية فلسفية في الوجع الصامت ونداء المستقبل

د. عزة محمود
«مأساة طفل» ..قراءة أدبية فلسفية في الوجع الصامت ونداء المستقبل


في الأزمنة الماضية كان الطفل يَسكنُ حوافَّ الحلم، ينامُ على وسادة الأمان، وتفتح له الحياة أبوابها بخجلٍ جميل. كان يُنادي «غدًا» ويُنظر إليه بوصفه وعدًا بالضياء. أمّا اليوم، فقد صار الطفل – في غير قليلٍ من بقاع العالم – مرآةً مكسورة تعكس انكسار الإنسان ذاته. لم تعد الطفولة زمن البراءة الخالصة، بل زمنًا هشًّا تتناوشه المخاوف وتطارده الانتهاكات؛ جسدية كانت أم نفسية، مباشرة أو متخفّية وراء أقنعة الصمت والإنكار. الطفل في زمننا هو الكائن الذي يُلقىٰ في أتون عالمٍ لم يصنعه، فيتحمّل ما لم يختره، ويُجبر على فهم ما لا ينبغي لعمره أن يفهمه. يتعلّم الألم قبل الأبجدية، ويكتب على دفاتره المرتعشة أوّل دروس الحياة بلغة الخوف. التحرّش، العنف، الإهمال، الاستغلال، التنمّر، الحرب، النزوح، الاتجار بالبشر، كلها مفردات ثقيلة زُجّت في معجم الطفولة الحديثة، فأصبح البريء خبيرًا بالوجع، حتى قبل أن يتعرّف إلى اسمه كاملًا. 

من منظورٍ فلسفي، يمكن القول إن جريمة العالم الكبرىٰ في هذا العصر ليست الحرب فقط، بل سرقة الطفولة ذاتها. فالطفل كائن لم يكتمل كيانه بعد، وهو ما يجعل كلّ جرحٍ يتلقّاه يتسلل إلى العمق ليصير جزءًا من بنائه النفسي والوجداني. الألم عند الطفل لا يمرّ مرور العابرين؛ إنه يقيم فيه، يتكاثر بصمت، ويتحوّل مع الزمن إلى خوفٍ مزمن، أو عقدةٍ خفيّة، أو غضبٍ مكتوم، أو انكسارٍ لا يُرى بالعين. الطفل المُتحرَّش به لا يُسرَق جسده فقط، بل تُسرق ثقته بالعالم. العالم الذي كان ينبغي أن يكون آمنًا يصبح فجأة متربّصًا، وتتحول العلاقة مع الآخرين إلى حقلٍ من الشكّ والحذر. يختلّ مفهوم «الحدود» في داخله؛ فلا يعود يدري أين ينتهي جسده وأين يبدأ الآخرون. هذه الهشاشة قد تُترجم في المستقبل إلى اضطرابات في العلاقات العاطفية، أو صعوبات في بناء الثقة، أو ميولٍ للانسحاب والعزلة، وربّما إلى تكرار نفس دائرة العنف، حين يتحول الضحية – في حالات مأساوية – إلى نسخة مشوّهة ممّا أُجبِّر على تحمّله. أما الطفل الذي ينمو وسط العنف والقسوة، فإنه يحمل في داخله عاصفةً لم تهدّأ. يصير العالم بالنسبة له ساحة صراع لا حديقة أمل، وسكينته الداخلية تُستبدل بفرط يقظةٍ مستمرة، وكأنه كائن يتوقّع الطعنة في كل لحظة. وهذا ما يفسّر الكثير من مظاهر القلق الشديد، والانفصال عن الواقع، واضطرابات النوم، ونوبات الغضب، وحتىٰ الاكتئاب والانتحار في سنٍّ مبكرة. فالطفولة ليست مرحلة عابرة فحسب، بل هي البذرة التي يُبنى عليها الشجر كله؛ فإن فَسَدت البذرة، اختلّ النموّ وإن بدا ظاهرُه سليمًا. من منظورٍ إنسانيٍّ أعمق، فإن انتهاك حقوق الطفل ليس اعتداءً على فردٍ صغيرٍ فقط، بل هو اعتداء على فكرة المستقبل ذاتها. فنحن حين نكسر الطفل، نكسر الإنسان القادم، ونحوّل الغد إلى مساحة ممتلئة بالعُقد، بالخراب، وبالنفوس الغاضبة أو المنكسرة. ما يَحدث للطفل اليوم سيعود إلينا غدًا على هيئة مجتمعات مشتّتة، وعلاقاتٍ هشّة، وأفرادٍ عاجزين عن الحبّ أو الإبداع أو السلام. ورغم هذه الصورة القاتمة، فإن باب المواجهة لا يزال مفتوحًا، لكنه يتطلّب شجاعة الوعي قبل أي شيء؛ فالصمت هو الشريك الأكبر في الجريمة. تبدأ المواجهة بالاعتراف الواقعي بأن ما يتعرّض له الأطفال ليس نادرًا ولا هامشيًّا، بل كارثة إنسانية صامتة. ويجب أن تبدأ الحماية من البيت، من الحوار الدافئ، من تعليم الطفل أن جسده ليس مُلكًا لأحد، وأن له حدودًا لا ينبغي تجاوزها، وأن صوته يجب أن يُسمع لا أن يُكمم بالخوف. المدرسة بدورها ليست مكانًا للتعليم فقط، بل ينبغي أن تكون ملاذًا نفسيًّا آمنًا، يدرّس الأطفال معنى القيم والكرامة والاحترام المتبادل. وكذلك الإعلام، حين يتخلى عن المتاجرة ببراءة الصغار ويأخذ دوره التنويري، يمكن أن يتحول إلى جدار صدّ ضد العنف لا إلى نافذة تطبيعٍ معه. أمّا العلاج الحقيقي، فيكمن في إعادة بناء الطفل من الداخل، عبر الدعم النفسي، والاحتواء، والعلاج المتخصّص للصدمة، وتنمية المهارات الإبداعية التي تعيد إليه إحساسه بالسيطرة على العالم. الفن، الموسيقى، الكتابة، الرياضة… كلها منافذ شفاء يمكن أن تُعيد ترتيب الفوضى داخله وتحوّل الألم إلى قوة حياة لا إلى طاقة تدمير. 

في النهاية، يظلّ الطفل سؤالًا أخلاقيًّا مُوجّهًا إلى الضمير البشري كلّه، كيف لعالمٍ يدّعي الحضارة أن يطعَنَ أضعف كائناته؟ وكيف لمن يتغنّى بالإنسانية أن يترك زهرتها تذبل ببطء تحت أقدام القسوة؟ إن حماية الطفل ليست مهمة المؤسسات وحدها، بل هي ميثاق وجودي بين الإنسان وذاته. فمن أنقذ طفلًا واحدًا، كأنما أنقذ عالمًا كاملًا من السقوط في العدم. والطفولة إذا شُفِيت، شُفِي بها الزمن كله. ونحن جميعًا في احتياجٍ مؤكد لهذا الشفاء.

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

6278
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.