تقاطعات بين الفن التشكيلي والأدب ..حيث يلتقي التعبير اللغوي بالتعبير البصري
لماذا الفن التشكيلي والأدب؟ وما هي الصلة بينهما؟
من الملاحظ أن غالبية الكتّاب إمّا يمتلكون قدرة جيدة أو ممتازة على الرسم، أو لديهم حسٌّ عالٍ بتذوّق اللوحات الفنية، وشغف بالتعبير عنها من خلال الكلمات.
وهنا يطرح السؤال نفسه:
«تُرى، لماذا يرسم الكاتب أكثر مما يكتب الرسّام؟»
ربما لأن اللوحة تُستقبل بصريًا بسهولة، وتُحدث أثرها الفوري، بينما تحتاج الكتابة إلى جهد زمني أطول في التلقي.
هذه التقاطعات خلقت نوعًا من الترابط غير المعلن بين الفنون التشكيلية وعالم الكتابة، وهو في الحقيقة أجمل ما في هذا التداخل؛ حيث تتلاقى الفنون دون حواجز صريحة.
القصة القصيرة… فن اللقطة
يطلق على القصة القصيرة أحيانًا «فن اللقطة»، وهو تعبير مستمد من عالم اللوحات الفنية.
وأضيف هنا أن هناك ملمحًا واضحًا من تجميد اللحظة داخل إطار، تمامًا كما يحدث في اللوحة التشكيلية.
محاكاة اللقطة
(جزء من مقال سابق لي)
تجميد الموقف يأخذنا إلى فكرة الاستمتاع بشعورٍ ما، حتى وإن كان مؤلمًا؛ متعة الإبهار والانبهار.
أحيانًا نحتاج إلى التعمق في لحظات الألم، وعيشها كاملة، حتى نتحرر منها دفعة واحدة، فلا يبقى منها شيء يئن داخلنا ويزعجنا لاحقًا.
تمامًا مثل فكرة:
(الانتهاء من الطعام كي لا يتتبعنا ركضًا يوم القيامة).
وكلما كانت اللوحة أكثر عمقًا، نشأت بين خطوطها حكاية أكبر، قد تمتد لتشكّل مشهدًا مقتطعًا من رواية كاملة.
تصوير الشخصيات والأحداث
كثيرًا ما تُرسم لوحات مستلهمة من شخصيات روائية مشهورة، أو من مشهد شعري محدد.
ومن الأمثلة البارزة على ذلك سلسلة لوحات الفنان ماثيو ري، التي استوحاها من روايات عالمية شهيرة، حيث يصوّر مشاهد بعينها من تلك الأعمال الأدبية.
القصص المصوّرة: الشكل الهجين
القصص المصوّرة تمثل شكلًا فنيًا هجينًا يجمع بين الأدب والفن التشكيلي، مثل:
قصص الأطفال
مسرح العرائس
الأوبريت الشهير «الليلة الكبيرة»
كما استخدم المصري القديم النحت لتسجيل وقائع حياته وتدوينها قبل ظهور المسرح، في محاولة مبكرة لدمج السرد بالصورة.
فالأدب يستخدم الكلمات لسرد القصص، بينما يستخدم الفن التشكيلي الصور البصرية، وكلاهما يسعى للهدف نفسه: التعبير عن التجربة الإنسانية.
تقنيات وآليات صنع العمل الإبداعي
استخدام الرمزية
يعتمد كل من الأدب والفن التشكيلي على الرموز للتعبير عن أفكار فلسفية واجتماعية، مما يمنح النص أو العمل الفني عمقًا وتعقيدًا، ويترك مساحة للتأويل والتفاعل مع المتلقي.
الذاكرة الانفعالية للكاتب والممثل
ما هي الذاكرة الانفعالية عند الكاتب؟
الذاكرة الانفعالية هي قدرة الكاتب على استدعاء مشاعر وتجارب عاطفية عاشها في الماضي — مثل الفقد، الحب، الخوف، الخيبة، أو السعادة — وتوظيفها لإضفاء الصدق والعمق العاطفي على النص الأدبي.
ما هي الذاكرة الانفعالية عند الممثل؟
بحسب كتاب ستانسلافسكي – «إعداد الممثل»، فإن الذاكرة الانفعالية هي قدرة الممثل على استدعاء مشاعر حقيقية عاشها سابقًا، واستخدامها لإحياء المواقف الانفعالية للشخصية التي يؤديها، سواء على المسرح أو أمام الكاميرا.
الفن التشكيلي والدراما
يُستخدم الفن التشكيلي في تصميم الديكور للسينما والمسرح، وهو مرتبط ارتباطًا وثيقًا بتحويل الرواية إلى عمل درامي أو سينمائي أو مسرحي.
ومن هنا ننتقل إلى مسألة تفاوت القدرات في التعبير عن النفس، وخاصة في التعبير عن النفس البشرية وتعقيداتها.
النقد الفني من قبل الكتّاب
هل يمكن للكاتب أن يكون ناقدًا فنيًا؟
الكاتب ليس ناقدًا فنيًا بالمعنى الأكاديمي، حتى وإن كان ناقدًا للأعمال الأدبية، لكنه يمتلك قدرات خاصة في التعامل مع الفن التشكيلي، كلٌّ بطريقته.
وحديثي هنا عن النقد الانطباعي، الذي يعتمد على:
ثقافة الكاتب
حسّه الإبداعي
خبراته الحياتية
احتكاكه بالمجتمع والثقافات المختلفة
فمدلولات الألوان تختلف من ثقافة إلى أخرى:
الأسود، الأحمر، الأصفر…
وكذلك لغة الجسد، وحجم أجزاء الجسد، كاليَد أو ميل الرأس، وغيرها من الرموز.
ومن الأمثلة على ذلك لوحة «وجه الشر العظيم» لبيكاسو التي تظهر فيها الجماجم، أو لوحات فان غوخ ذات الطابع غير الاعتيادي.
الفروق بين:
نقد فني للوحة:
عرض تحليلي تفصيلي بأسلوب مقالي.
قراءة انطباعية:
وصف الشعور الشخصي تجاه العمل.
الكتابة على اللوحة:
إنتاج نص أدبي مستوحى من العمل الفني ذاته.
كتاب «أصل العمل الفني»
مارتن هايدغر
يرى هايدغر أن العمل الفني ليس مجرد شيء جميل، بل هو مكان يتجلّى فيه الوجود وتنكشف الحقيقة.
العمل الفني والشيء
العمل الفني يتجاوز كونه شيئًا ماديًا ليكشف حقيقة ما.
مثال:
لوحة فان غوخ عن حذاء الفلاحة
فهي ليست مجرد تصوير لحذاء، بل تعبير عن حياة الفلاحة، تعبها، علاقتها بالأرض، وقسوة العمل اليومي.
من أين ينشأ الفن؟
هل الفن نابع من الفنان أم من العمل؟
يقلب هايدغر السؤال، ويرى أن:
الفنان يوجد من خلال العمل الفني،
والعمل الفني يوجد من خلال الفنان.
وفي المسرح والسينما، يُشكّل المخرج الفراغ بالممثل، ويُشكّله مهندس الديكور بالديكور، فيما يُعرف بـالسينوغرافيا — علم تشكيل الفراغ.
التذوق الفني والارتقاء بالذوق العام
الانفتاح على الألوان الإبداعية المختلفة يُعد نوعًا من التثقيف، ولهذا تضم قصور الثقافة مختلف الفنون.
لكننا نلاحظ أحيانًا انفصالًا بين الأنشطة، وعدم المشاركة إلا لمن ينتمي مباشرة إلى المجال نفسه.
التذوق يفتح آفاقًا أوسع للتطور والثقة، وأن تكون متلقيًا ومشاهدًا حتى لأعمال غيرك من نفس المجال.
فالكتابة عمل مشترك بين المؤلف والمتلقي؛ كلاهما يُفرغ شيئًا داخله من خلال العمل ذاته، سلبًا أو إيجابًا.
واليوم نحن أمام نموذج المبدع المتلقي لإنتاج غيره من المبدعين.
«على الفنان ألا يدرب عينه فقط، بل يجب أن يدرب روحه كذلك.»
— كاندينسكي
لوحات فنية ألهمت أدباء وشعراء
الموناليزا – ليوناردو دافنشي
كتب عنها الشاعر الفرنسي شارل بومييه قصيدة تناول فيها غموض ابتسامتها.
الصرخة – إدفارد مونك
ألهمت الشاعر الإسباني غارسيا لوركا
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك