من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

بلاغة القرآن الكريم.. حروف ونقاط

د.ربيع عبد العزيز
بلاغة القرآن الكريم.. حروف ونقاط


تتعدد المعاني المجازية؛ التي تخرج إليها بعض أدوات الاستفهام تعددا يضع البلاغيين والمشتغلين بالتفسير في حيرة يمازجها شيء من الحرج الديني والعلمي؛ لا لشيء إلا بسبب عبادة التفكير القاعدي؛ فالتعبد بالتفكير القاعدي جعلهم يسمون الهمزة في قوله تعالى (أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ) الواقعة (69) همزة استفهام، ويسجنون عطاءها المجازي في الدلالة على التقرير، بمعنى أن الله-تعالى- يقرر بها أعداءه من منكري الألوهية؛ حتى يحملهم على التسليم بإحكام سيطرته على الكون بما فيه.

لاشك في أن الهمزة، في هذه الآية، تفيد تقريرا، ولكن لا شك أن قصر ما تفيده على التقرير يشف عن نظر بلاغي حسير؛ وذلك لأنها تفيد مع التقرير تهكما من سطحية عقول المخاطبين: (أنتم)، وزراية بعجز عقولهم عن تأمل حركة السحاب ونزول المطر وإدراك أن هذه الحركة لا يمكن أن تكون اعتباطية، وإنما لا بد أن يكون وراءها قدير يسيطر على الكون، وأن هذا القدير المسيطر خليق بأن يكون واحدا لا ينازعه في الربوبية منازع، ومن ثم فهو بأن يعبد وحده جدير.

وتجلية للحقائق ورأبا لصدع ما يشاع فينا نؤكد أن همزة الاستفهام لكي تنتقل من دلالتها الحقيقية على طلب الفهم، إلى دلالتها المجازية على التقرير والتهكم والزراية، تحتاج إلى قرينة وعلاقتين؛ القرينة للتشويش على المعنى الحقيقي وهو طلب الفهم، وأما العلاقتان فإحداهما تصل التقرير، بوصفه المعنى المجازي المفاد من الهمزة، بالمعنى الحقيقي الذي اصطلح عليه علماء اللغة.

أما العلاقة الأخرى فتصل التهكم والزراية؛ بوصفهما المعنى المجازي المفاد أيضا من همزة الاستفهام، بدلالة الهمزة على طلب الفهم في مثل قوله تعالى: (أأنتم أنزلتموه من المزن). وما أساجل فيه البلاغيين والمفسرين هو أنهم يحسبون هذه الهمزة للاستفهام، مع أنهم على يقين من أن المتكلم في الآية- وأخجل من أن أقول المستفهم- هوالله.

 ولا أظن أن بلاغيا أو مفسرا أو لغويا يجادل في مطلق علم الله، وما دمنا نسلم بأن الله عليم، فكيف نسمي كلام العليم استفهاما! . هذا أمر.

وأمر آخر أساجل فيه البلاغيين والمشتغلين بالتفسير وهو الإصرار على أن أداة الاستفهام تظل محتفظة بدلالتها على طلب الفهم حين تخرج إلى المعاني المجازية؛ فإن هذا الإصرار معناه أن الهمزة في قوله تعالى:(أأنتم أنزلتموه من المزن) تفيد طلب الفهم حتى حين تفيد تقرير المخاطبين، والتهكم عليهم، والزراية بسذاجة عقولهم. وهذا الإصرار يتناقض مع إجماع علماء البلاغة، والتفسير، على أن الله عليم، كما يتناقض مع القاعدة التي يدين بها كل المشتغلين بالبلاغة، قاعدة أنه بغير قرينة ليس ثمة مجاز، ويعطل القرينة عن أداء وظيفتها في الحيلولة دون إرادة المعنى الحقيقي لأداة الاستفهام.

والسؤال الآن: كيف تحتفظ الهمزة في مثل قوله تعالى:(أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون) بمعناها الحقيقي: دلالتها على طلب الفهم، وفي الوقت نفسه تؤدي معانى مجازية سواء أكانت تلك المعاني تقريراللمخاطبين، أم تهكما عليهم، أم ازدراء لعقولهم! 

يا أهل البلاغة: التفكير القاعدي مطلوب، ولكن عبادته تورث التناقض، وتوقع في خطايا لا تليق بالكرامة العلمية. 

يا أهل البلاغة:الهمزة في الآية لا يطلب بها الفهم لمطلق علم المتكلم سبحانه وتعالى. 

فلنخجل من عبادة التفكير القاعدي، ولنعد ترميم وإعادة ترسيم المصطلحات مفرقين بين ما ينطبق منها على المقدس من القول، وما ينطبق منها على البشري من أقوال الأدباء. أما تعميم مفهوم مصطلح الاستفهام على النص القرآني والنصوص الأدبية فهو تعميم مشين لا يراعي صفة العليم التي لم يتفرد بها نبي ولا أديب ، وإنما تفرد بها الله حتى إنه ليعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.

إنه لأشرف لنا أن نعتذر عن أخطائنا ونصوبها بدلا من أن ندفن رؤوسنا في الرمال، ونهادن الخطأ، ونأبى إلا الإصرار عليه.

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

6308
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.