بين الحياة الزوجية في مصر القديمة واليوم
في زمن يتسارع فيه إيقاع الحياة وتتغير فيه المفاهيم، يبرز الحديث عن العلاقات الزوجية في مصر القديمة لا بوصفه دعوة للعودة إلى الماضي، بل محاولة للتأمل فيما فقدته هويتنا الاجتماعية ودعوة بدافع من الحنين للبحث عن الاستقرار الاجتماعي الذي غاب عن حياتنا اليوم. قراءة هذه التجربة تكشف منظومة قيم إنسانية واجتماعية متكاملة، شكلت جوهر الحياة الأسرية آنذاك.
تكشف المصادر التاريخية أن العلاقة الزوجية في مصر القديمة كانت شراكة قائمة على الوفاء وحسن المعاشرة.
كان الزوج يحرص على توفير حياة كريمة لزوجته، ليس فقط ماديًا، بل معنويًا أيضًا، ويسعى لإدخال السرور إلى قلبها. من اللافت أن نصائح بتاح حتب في الدولة القديمة تؤكد أن حب الزوج لزوجته يجب أن يكون أولوية قبل أي واجبات أخرى، مع الانتباه لاحتياجاتها اليومية من طعام وملبس ودواء، دون إغفال الأمور البسيطة التي تبهج النفس، مثل العطور وأشكال العناية اليومية. ويشدّد بتاح حتب على ضرورة إسعاد قلب الزوجة طوال حياة الزوج، مشبّهًا إياها بحقل خصب يعود خيره على من يحسن رعايته، داعيًا إلى عدم إهمالها، والإكثار من مدحها، وتقديم الهدايا التي تُثري الحياة المشتركة. كما حذّر بتاح حتب من إدخال ضَرّة إلى البيت، لما قد يسببه ذلك من شقاق وزعزعة الاستقرار الأسري.
من جانبها، كانت الزوجة تهتم بالزوج بشكل مباشر، تعتني بتفاصيل حياته اليومية، وتصحبه في اهتماماته وهواياته وتنتبه لما يمر به من تعب أو ضغط. يظهر ذلك بوضوح في حياة عنخ إس إن آمون، زوجة الملك توت عنخ آمون، التي صورت في مناظر متعددة على اثاثه الجنائزي تهتم به بنفسها، فكانت تدهنه بالعطور، تلبسه القلائد والمجوهرات، وتصب له العصير بنفسها، بل وتشاركه في رحلات الصيد، مؤكدًة بذلك على التقدير والاحترام المتبادل.
القراءة الهادئة للحياة الاجتماعية في مصر القديمة تكشف أن العلاقات الزوجية كانت تقوم على توازن دقيق، تحكمه الأعراف وقائم على الاحترام والود والانتماء إلى بيت واحد ومصير مشترك، بعيدًا عن التبعية أو إلغاء لكيان الزوجة، كما قد يُصوَّر أحيانًا في بعض المحافل المعاصرة.
هنا تكمن الدرس المهم: العلاقة الزوجية الناجحة لا تقوم فقط على تقاسم المسؤوليات، بل على العناية بالتفاصيل الصغيرة، وعلى إدراك أن الاستقرار الأسري يبدأ من الود، لا من الصراع بين الأدوار. الاهتمام يفقد قيمته إذا أصبح واجبًا مفروضًا، بينما يزدهر حين ينبع من اختيار متبادل.
مع تغير أنماط الحياة اليوم، وازدياد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، تراجعت مساحة التفاصيل الصغيرة التي كانت تصنع هذا التوازن الاسري. لم يعد الوقت متاحًا كما كان، ولم تعد العلاقات تُدار بالبساطة نفسها. من هنا، يمكن القول إن «الطريقة المصرية القديمة» في اهتمام الزوجين ببعضهما يعتبر تذكيرًا بقيم أساسية، ربما غابت تحت ضغوط العصر. قيم تؤكد أن العلاقة الزوجية الناجحة لا تقوم فقط على تقاسم المسؤوليات، بل على العناية بالتفاصيل الصغيرة، وعلى إدراك أن الاستقرار الأسري يبدأ من الودّ، لا من الصراع بين الأدوار. الاهتمام، سواء قديماً أو حديثاُ، يفقد معناه إذا تحوّل إلى واجب فردي أو عبء مفروض، بينما يزدهر حين ينبع من اختيار متبادل.
ليس حنينًا للماضي، إذن، بل بحث صادق عن ودّ مفقود، ربما حان الوقت لاستعادته بروح تناسب عصرنا.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك