قراءة في خاطرة «آن لأبي حنيفة أن يمدّ رجليه» للدكتورة شيرين النوساني
إنما للصبر حدود
بالرغم من أن «آن لأبي حنيفة أن يمدّ رجليه» خاطرة قصيرة، إلا أنني أعدت قراءتها مرات، ولم أستطع أن أتمّها محافظًا على تركيزي واتزاني العاطفي إلا في المرة الخامسة. ففي كل مرة كنت لا أحتمل دفقة المشاعر، والعنف، والقسوة التي تنساب من بين كلمات تبدو بسيطة، وتركيبات لغوية تبدو مألوفة، لكنها كوّنت فتحات لبراكين من الثورة والغضب أو القصاص.
تبدأ الخاطرة بدعوة لتأمل تلك المساحة الخاصة جدًا، والوقت الحميمي جدًا، عندما تستلقي على الوسادة ناظرًا إلى الجدار بجوارك، وتبدأ في تخيل أحداث اليوم، وإذا بالمساحة بينك وبين الجدار يكسوها البرد، وتأبى العيون النوم، وتأبى النفوس الاستقرار؛ فقد اعتمرت المخيلة والنفس بذكريات مؤلمة تستلزم انتفاضة للعقل والنفس، لنضع الأمور في نصابها، وأن نعقد محكمة، وتنطق بحكمها، ولينفذ الجلاد حكم القاضي... وقتها تستطيع العين مرة أخرى أن تقر، ويتسلل الدفء إلى المكان، والنوم إلى المآقي بعد السهر.

وكأن هذا هو حال الكاتبة التي لا نزال نتأمل أن يكون حديثها عذبًا، وكلماتها رقيقة كما اعتدنا منها.
هنا تبدأ الكاتبة في سرد القصة، التي فهمتُ منها أن الكاتبة (الشخصية الرئيسية في الخاطرة) كانت وسط جمع من الأشخاص في مكان ما (لم تحدد المكان ولا الوقت ولا الأشخاص، وهذا تجريد يخرج النص من كونه تجربة ذاتية ليكون تجربة إنسانية عامة لا تتقيد بمكان ولا زمان). كانت تجتهد في الحفاظ على هيبة المكان، مبدية دماثة خلقها وحسن حديثها، وكانت تراقب كلماتها ولفتاتها حتى لا يُعاب عليها تصرف. فمن حولها ليس بالضرورة يشعرون بما في داخلها من ألم، ولا يدركون بالضرورة الثورة العارمة التي تتقد داخل جسدها الرقيق. جعلتنا نتخيل أنها لو أرخَت لثورتها اللجام، لثار فيها بركان حطم المكان والحضور، ولعل صخبه يصل عنان السماء. كانت تجتهد في أن تظهر غير ما تشعر، ويا له من ألم لا يشعر به إلا صاحبته.
ثم تقص علينا الكاتبة بمهارة، بعدما أدخلتنا في حالتها النفسية، فجعلتنا نشعر بمعاناتها ولو لم نعرف الأسباب (وهنا أيضًا تركز الكاتبة على المحصلة النهائية، أي النتيجة لا التجربة، فتجرد التجربة مرة أخرى من تفاصيلها، وتؤثر المردود النفسي الذي يجب أن يُبنى عليه الفعل والنتيجة فيما بعد).
ثم تحاول هنا أن تقص علينا القصة كي نشاركها ألمها: «يلف نفسه بهالة من الغموض المتجمد...». هذا الشخص الموجود كثيرًا في مجتمعاتنا قد يتبوأ مكانة أو منصبًا، فيصبح أكثر برودًا وأكثر غرورًا، يتخيل أن لن يقدر عليه أحد، ويعطي لنفسه الحق في أن يُقصي وأن يُقرّب. فيحاول بكل برود وبكل عنف، محتميًا بمنصبه وبشيعته من حوله، أن يصب حمم غضبه وسخطه على من خالفه، وعلى كل من شكّل وجوده تهديدًا لذلك المتغطرس اللئيم. فيحاول أن يهدمه، أن يُقصيه، أن يوجه له الإهانات، وأن يجعله يبدو صغيرًا، ضئيلاً بين الحضور. وقد خُيّل له غروره أن من حوله، ولو أظهروا توافقًا معه، تمر عليهم تلك الألاعيب، لا يدري بأن كل فعلة من تلك تأكل من رصيده عند شيعته، وتجعله يفقد دائرته تدريجيًا، حتى يستيقظ يومًا فيجد نفسه وحيدًا مطاردًا، لا يجد مكانًا يأوي إليه.
ولكن كما يقول أحمد رامي: «إنما للصبر حدود»، فلكل إنسان قدرته على التحمل، وعلى المواربة، وعلى الذكاء الاجتماعي. هناك حدود، عندما يتعداها الطرف الآخر يجب أن يتحد الجسد الهادئ مع النفس الثائرة، فيمدّ أبو حنيفة رجليه، معبرًا عن اتحاد الجسد مع النفس في إعادة الأمور إلى نصابها، والتخلي عن كل ما كان يدفعنا لتحمل الألم، فنقف مرفوعي الهامة. عندها لا تتساوى الهامات، ويعود الحق لأهله.
هنا تدعونا الكاتبة أن نضع حدودًا للتحمل، وألا نضحي باحترامنا لأنفسنا مهما كان الثمن؛ فلا شيء يسعدنا، ولا شيء يدخل السرور في قلوبنا، إذا بقيت المسافة بينك وبين الحائط باردة، وإذا أبت مقلتك النوم.
فاستقيموا يرحمكم الله.
شكرًا دكتورة، وسامحكِ الله على هذه القسوة.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك