من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

إضاءات..العلمانية والراهن

السعيد عياشي
إضاءات..العلمانية والراهن


كانت قيود الكنيسة الكاثوليكية وممارسات رجالاتها وسياسة القمع التى مارستها بكل قسوة تجاه أي فكرة لا تنسجم مع توجهها ومحاربتها دون رحمة لآراء المفكرين الأحرار وإلصاق تهمة الإلحاد للقضاء عليهم في حين تحول رجال الكنيسة الى إقطاعيين يملكون الأراضي الشاسعة ويتاجرون بصكوك الغفران وبيع المناصب الدينية ، وكانت حريصة كل الحرص على تفسير الدين وتوجيهه وفق ما يخدم مصلحتها ، كان البابا يتسلم مبالغ طائلة على شكل ضرائب العُشر ومبالغ أخرى جراء التعيين في المناصب الدينية وبيع صكوك الغفران غير الهدايا والهبات التى كانت ترسل إليه .

عرفت حركة الإصلاح الديني و التي كانت ألمانيا مهدا لها عن طريق مارتن لوثر (1483-1546) الذي اعتنق ونادى بأفكار ومبادئ تخالف توجه الكنيسة الكاثوليكية مؤمنا بأن خلاص الإنسان يكون بالإيمان والعلاقة بين المؤمن والخالق لا تحتاج إلى وسيط معارضا فكرة الكنيسة التى تعتبر أنها الوسيط الحتمي بين الفرد و الرّب ، وكان أول عمل قام به ضد الكنيسة هو تعليق وثيقة من 95 بندا على باب جامعة ويتنبرغ عام 1517احتجاجا على بيع صكوك الغفران ، نفس الشيئ كانت سويسرا مسرحا له مع أولريخ زوينكلي ( 1484-1531) الذي طالب بدوره بتنقية المسيحية من الشوائب التي علقت بها وبعد مقتله تزعم الحركة الإصلاحية جان كالفن ( 1509-1564)الذي صاغ أفكاره ومبادئه الإصلاحية في كتابه( تنظيمات العقيدة المسيحية)

في إنجلترا كانت الملكية هي من قادت حركة الإصلاح وقرر البرلمان الإنجليزي 1534 فصل الكنيسة الإنجليزية عن روما واعتبار الملك رئيسا للكنيسة بدل البابا ، ولم تكن فرنسا  بمعزل عن هذه الحركة وخاصة الكالفينية التى امتلكت أنصاراً ونفوذا إلى جانب الأفكار اللوثرية حيث انتهى الصراع بمرسوم نانت المعروف (1598) والذي سمح بوجود ممثلين لهم لدى البلاط الملكي وحرية ممارسة طقوسهم الدينية .

الثورة الفرنسية التى نادت بالأخوةوالمساواة والحرية كانت أكثر راديكالية في مسألة الإصلاح الديني وفصل السياسي عن الديني وكانت معالجتها مختلفة عن ماسبقها كما أسلفنا ربما لخصائص الثقافة الفرنسية وكانت أكثر حسما وراديكالية في الفصل العملي بينهما ، فكانت مختلفة تماما عن سابقاتها من التجارب والمعالجات لعلاقة الديني بالسياسي ، ألمانيا وسويسرا مثلا اللتان استطاعتا رسم حدودا معقولة بين الديني والسياسي إلى حد ما. 

العلمانية التى ظهرت مع الثورة الفرنسية كنتاج لحسم راديكالي لمسألةفصل الديني عن السياسي وهناك من يرى أنها صناعة النورانيين ونفذها اليعاقبة( روبسبيير) و يبدو أنها نتاج الثورة الفرنسية …

من الواضح أن تجارب الإصلاح الديني الأوربية السابقة تختلف عن التجربة الفرنسية في معالجتها للأمر وظلت متفردة براديكاليتها قياسا بما تميزت به التجربة الألمانية وتأثيراتها في العالم الانجلوسكسوني وتطور مفهوم المواطنة السياسية في المجتمعات الأوروبية الأخرى والاستقلال النسبي عن شمولية القيم الأيديولوجية العلمانية.

ويبدو أنه من المهم الوقوف عند مفهوم العلمانية في بعدييهالنظري (الفلسفي) باعتباره وليد الرؤية الفلسفية الحديثة والمنطلق العقلي غير الديني للوجود، والإجرائي باعتباره مفهوما عبّر تاريخيا عن معالجة اجرائية أوروبية لمشكلة أيدولوجية سياسية محددة لها سياقها التاريخي السوسيوثقافي-ثقافي من جهة وخصوصية تجربتها الدينية السياسية من جهة أخرى، من دون إغفال أن هناك معالجات علمانية اجرائية مختلفة لمشكلة علاقة الديني بالسياسي في أوروبا .

الدكتور صادق جلال العظم يذهب إلى أن العلمانية نشأت كثورة على الكنيسة ويعرفها بأنها استقلال الحياة العامة للمجتمع عن الشرائع والعقائد الدينية والحياد الإيجابي للدولة ومؤسساتها إزاء الأديان والشرائع .

و يرى الدكتور عبد الوهاب المسيري أن مصطلح العلمانية عُرف في أواخر القرن التاسع عشر بفصل الدين عن الدولة وأن الدولة انذاك كانت كيانا ضعيفا لا يتبعها جهاز أمني وتربوي وإعلامي ضخم وكثير من مجالات الحياة لاتزال خارج سيطرة وسلطة الدولة حيث كانت رقعة الحياة الخاصة واسعة للغاية ظلت بمنأى عن عمليات العلمنة ، ولكن بعد تعملق الدولة وتغولها وتطويرها لمؤسسات أمنية وتربوية مكنها من الوصول لكل فرد وكل مجالات الحياة إضافة إلى الإعلام وخاصة المرئي الذي أصبح قادرا على التدخل في تعريف الإنسان لنفسه وتحديد صورته والتدخل حتى في خصوصياته الحياتية وصياغة أحلامه ولا وعيه لتحديد خريطته الادراكية.

وهنا يرتسم واقعا ليس فصل الدين عن الدولة وإنما أكثر شمولا ولفظ علماني أصبح لا يعكس الواقع وإنما تعريف تخطاه الزمن ، معتبرا أن شعار فصل الدين عن الدولة هو شعار سطحي من حيث أنه يقوم على مبدأ أن الإنسان مادة وروح ويمكن الفصل بينهما من خلال ممارسة جانب في الحياة العامة وآخر في الحياة الخاصة وهذا مستحيل على اعتقاده فالدوافع ( الفعل) متداخلة ولا يمكن فصل الديني عن السياسي والمادي عن الروحي. 

ويعود إلى تعريفه للعلمانية والتفريق بين علمانية جزئية وهي فصل الدين عن الدولة، وعلمانية شاملة تفصل الدين عن الدولة وتفصل كل القيم الإنسانية والأخلاقية والدينيةعن كل جوانب الحياة العامة، حيث يتحول الإنسان والطبيعة إلى مادة استعمالية وكل الأمور مادية نسبية متساوية لا قداسة لها ( نزع القداسة عن الطبيعة والإنسان وتحويلهما إلى مادة استعمالية) يوظفهما من هو أقدر وأقوى لصالحه وهي لا تؤمن بأي معايير أو مطلقات أو كليات ملمحا إلى ترادف العلمانية الشاملة والرؤية الدارونية الصراعية .

بينما الدكتور علي جمعه يرى أن هذا المصطلح وافد علينا وعند ترجمته وقع خلاف هل هو عِلمانية وعلمانية أو عالمانية منوها بتعريفات المسيري ( العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة) ويرى أن الأسئلة الكبرى الماضي والحاضر والمستقبل التى تجيب عليها كل الأديان السماوية الإسلام والمسيحية واليهودية تعتبرها العلمانية أسئلة نهائية، وهذا أول الخلاف وأن النموذج المعرفي يختلف باختلاف الإجابات وأن هذا الاختلاف في النموذج المعرفي والإجابات يمنع أن يكون المسلم علمانيا .

الشيخ الشعراوي يرى من جهته أن الدين يفرق في حركة الحياة بين حركة بنت تجربة وحركة وليدة هوى فالدين يتدخل لرفع سيطرة الأهواء يحمي البشر من شر أهواء البشر وفيما يتعلق بالعلم المادي التجريبي وكل ما يترتب عليه تركه الحق سبحانه إلى نشاطات العقول وطموحات البشر والتشريع السماوي لا يتدخل في الأمر المادي إلا إذا كان لهذا الأمر حصيلة حيث يوجب توجيهها توجيها لخير البشر .

وعند التطرق لموانع العلمانية في مجتمعاتنا العربية يرى الدكتور اليامين بن تومي أنها نتيجة جملة من الملهيات ويطرح سؤالا حول الأنظمة المختزنة في العقل التاريخي العربي والتي تحمل معجما من الإدانة والعقاب بأشكاله وتمظهراته السلوكية والكلامية ( التكفير التفسيق التبديع ...) ويراها مانعة من استنبات حياة علمانية ويعرج على العائق الفقهي الذي منع حقيقة تصور مرجعي لمفهوم العلمانية ( تقديم النقل على العقل والاتباع والتسليم ) 

إضافة إلى مانع انطولوجي ، نزوع قوي سلوكي وحضاري في لا وعي الجماعة الفقهية إلى إعادة تمثل التجربة الأولى ( دولة الخلافة الأولى ) ، بالعودة إلى الدكتور عبد الوهاب المسيري فإنه لا يرى مانعا في قبول العلمانية الجزئية إن كان يعني بعض الإجراءات السياسية والاقتصادية ذات الطابع الفني والتي لا تمس المرجعية النهائية، وأن الإسلام ليس دينا ودولة وإنما دين ودنيا وحصره في الدولة فيه ظلم بيّن لرؤية تتسم بالشمول ، متناغما مع طرح الشيخ الشعراوي …

يبدو أيضا أنه فيما يخصنا نحن الدول والمجتمعات التى خضعت للاستعمار الفرنسي وعلاقتنا بمسألة العلمانية ، فقد فرضت فرنسا ثقافتها على المجتمعات التي خضعت لها كما فرضت قيمها المجتمعية ومنها العلمانية كمعالجة خاصة بها لعلاقة الديني بالسياسي حيث أصبحت هذه المسألة شاغل نظري وأيديولوجي سياسي عند نخب هذه المجتمعات كما هو ملاحظ بوضوح في سوريا ولبنان ونخب الإسكندرية الفرانكوفونية ويحدد هذا الفضاء( الثقافي الفرانكفوني ) كفضاء ثقافي أيديولوجي وسياسي الذي كان ومازال يشكل الأرضية الخصبة لاثارة المشكلات التى تتعلق بمسألة علاقة الديني بالسياسي على خلاف باقي المجتمعات الأخرى التى لا تشكل هذه القضايا هاجسا نظريا أيديولوجيا وسياسيا عند نخبها ....

يتبع ...

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

6391
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.