من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

منال الشرقاوي

الأبيض والأسود… مرآة دون فلاتر
منال الشرقاوي



ليس غريبًا أن نحب أفلام الأبيض والأسود لأنها “جميلة” أو “كلاسيكية”. الغريب فعلًا هو ما تفعله بنا دون أن نلاحظ. فهي كثيرًا ما تدفعنا—أو هكذا أشعر—أن نحكم أسرع، ونشك أكثر، ونرى الشخصيات أقل “قابلية للتبرير”. وكأن الأبيض والأسود يزيل الأعذار حينما يزيل اللون. وأكتب هذا كتجربة مشاهدة قبل أن يكون حكمًا نهائيًا؛ لأن سحر هذه السينما أصلًا أنها تحتمل أكثر من قراءة.

لو اعتبرنا اللون طبقة واقعية تقنعنا أن كل شيء طبيعي ومعقد ومفهوم، فإن الأبيض والأسود يقوم بعكس ذلك تمامًا في حالات كثيرة؛ فهو يحول العالم إلى بنية أوضح، نور وظل، ظهور واختفاء، اعتراف ومراوغة. هنا تصبح الإضاءة موقفًا، ويغدو الظل مساحة أخلاقية كاملة.

حين تشاهد فيلمًا ملونًا، ينجح اللون أحيانًا في تهدئة قسوتك؛ فلون الوجه الدافئ يلطف الصدمة، وزرقة السماء تمنح المشهد طمأنينة، وتفاصيل الملابس تجعل الشخص “إنسانًا مألوفًا” حتى لو كان مؤذيًا. أما في الأبيض والأسود فقد تختزل الأشياء أكثر، وهذا الاختزال ليس بريئًا دائمًا؛ لأنه يجعلنا نرى الفكرة بدل الديكور الملون، والنية بدل الزحام.

في عالم بلا ألوان، كل تفصيلة تكتسب وزنًا أخلاقيًا، لماذا هذا الجزء من الوجه في الظل؟ لماذا الخلفية شديدة السواد؟ لماذا الضوء حاد كأنه استجواب؟ الأبيض والأسود يمكن أن يعيد ترتيب علاقتنا بالشخصيات؛ فلا يتركنا نختبئ في جماليات الصورة، ويدفعنا لمواجهة الهيكل العاري للسلوك. وعلى الرغم من أنني أقرأ الأبيض والأسود هنا بوصفه اختبارًا أخلاقيًا، فهو ليس محصورًا في هذا المعنى وحده؛ قد يكون أيضًا حنينًا للماضي، أو تجريدًا يصفي العالم من ضوضائه، أو دعوة للتأمل في التكوين والشكل قبل الحكاية.

ومن أكثر “الحيل” تأثيرًا—في رأيي—هي التباين. حين يرتفع التباين، تقل المساحة الرمادية بصريًا، وكأن الفيلم يقول لك “اختر موقفك”. هذا لا يعني أن الحكاية تصبح سطحية، لكنه يعني أننا نحن—المشاهدين—نُدفع للوضوح، أو على الأقل نُستفز لنقترب منه.

التباين يجعل المشهد يبدو كأنه ينطق، فالضوء الغامر يوحي بأن الحدث مكشوف، مُحاسب، قابل للفضح. في المقابل نجد الظل يشي بأنه مُخفي، مراوغ، أو مُحرم.

ولهذا كثيرًا ما يبدو الأبيض والأسود “صارمًا”، لا لأنه قديم، لكن لأنه لا يجامل عينك. وفي أفلام كثيرة بالأبيض والأسود، يصبح الظل مساحة فعل، فما يحدث في الظلام ليس “غير مرئي”؛ هو فقط غير معلن. هنا قد يتحول الظل إلى غرفة اعتراف، أو غرفة جريمة، أو غرفة رغبة—حتى إن لم تقع جريمة بالمعنى الحرفي.

إن كثير ا من المشاهد تُبنى على فكرة تبدو بسيطة، فنجد الشخصية التي تختبئ في الظل مختفية عن الكادر، وكذلك مختفية عن نفسها.

وهنا يضرب الأبيض والأسود في قلب الأخلاق، لأن الأخلاق غالبًا ما تُقاس بما نفعله عندما لا يرانا الناس. قد تمنح السينما الملونة هذه المنطقة “رومانسية” أو “واقعية”؛ أما الأبيض والأسود فيميل إلى تحويلها إلى سؤال مباشر.

وهنا يأتي السؤال، لماذا قد تبدو أفلام الأبيض والأسود “أصدق”؟

أعتقد لأنها تقترب من طريقة عمل الذاكرة والضمير. نحن لا نتذكر حياتنا بألوان دقيقة دائمًا، لكننا نتذكرها كأحاسيس واضحة، خوف، رغبة، ندم، شجاعة، انكسار. الأبيض والأسود يشبه هذا؛ يختصر العالم إلى إحساسه الأساسي. ولهذا قد يبدو أحيانًا أكثر صدقًا من اللون، لأنه يلتقط النظام الداخلي للواقع. ما هو مكشوف وما هو مخفي، ما هو مُقال وما هو مسكوت عنه.

ومع ذلك، لا أزعم أن الأبيض والأسود يحمل هذه “الصرامة” في كل مرة، ولا أن اللون يساوي دائمًا التخفيف والتبرير. هناك أفلام ملونة قاسية أخلاقيًا كحد السكين، لا تمنح شخصياتها مخارج، تمامًا كما توجد أفلام بالأبيض والأسود تُغرقك في ضباب مقصود، وتتركك بلا إجابة نهائية. 

الفارق—في كثير من الأحيان—ليس في وجود اللون أو غيابه وحده، ولكن في الطريقة التي يُدار بها الضوء. كيف يُوزع، وأين يترك الظل، ومتى يصبح التباين سؤالًا بدل أن يكون زينة.

لهذا كله، لا يعود الأبيض والأسود مجرد اختيار تقني أو “زمن سينمائي” مضى؛ إنه طريقة نظر… وطريقة محاسبة. إنه يريك المسافة بينك وبين القصة، أين تميل؟ متى تتعاطف؟ ومتى تدين؟ وكيف تتشكل أحكامك من ضوء صغير يفضح، أو ظل واسع يبتلع التفاصيل. في الأفلام الملونة يمكننا أن نرتاح داخل الحياة كما هي، بألوانها التي تهدئ وتجمل وتبرر. أما هنا، فالصورة تقف أمامك عارية، وتطلب منك أن تقف مثلها بلا زينة، بلا مراوغة، وتستعد لسماع الحقيقة حتى لو كانت حادة.

وفي النهاية، قد يكون السبب الحقيقي لحبنا للأبيض والأسود أنه يجعلنا نرى أنفسنا أيضًا دون فلاتر.

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

6424
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.