من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

صورة المرأة المتمردة في الأدب الإنجليزي

تأليف: د. جيهان الشندويلي – دكتوراه الأدب المقارن، ومدرس الأدب العربي بجامعة مطروح (سابقًا)
صورة المرأة المتمردة في الأدب الإنجليزي


صدر حديثا عن دار أمجد للنشر والتوزيع كتاب " المرأة المتمردة في الأدب الإنجليزي للدكتورة جيهان الشندويلي الحاصلة على الدكتوراة في الأدب المقارن ومدرس الأدب العربي بجامعة مطروح سابقا. 

يقدم الكتاب قراءة نقدية واعية للحضور النسائي في الأدب الإنجليزي، لا من زاوية التتبع التاريخي الجاف، ولا من منظور نسوي أيديولوجي صدامي، بل من خلال مقاربة ثقافية ترى التمرد فعلًا إنسانيًا مركبًا، تشكّله البُنى الاجتماعية والاقتصادية والفكرية بقدر ما تصوغه الإرادة الفردية.


فالتمرد، وفق هذه الرؤية، ليس خروجًا اعتباطيًا على الأعراف، ولا قطيعة مع المجتمع، بل سعيٌ واعٍ لإعادة تعريف الكرامة والاختيار وحق الإنسان في امتلاك صوته

ينطلق الكتاب من وعي دقيق بالسياق التاريخي الذي تشكّلت داخله صورة المرأة في الأدب الإنجليزي، ولا سيما خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، حيث كانت القوانين الأبوية، والتراتبية الطبقية، ونُظم الميراث، والزواج القائم على المصلحة، تحاصر المرأة داخل أدوار محددة سلفًا. في مثل هذا المناخ، لم يكن التمرد ممكنًا بوصفه فعلًا صريحًا، بل ظهر في الأدب في هيئة اختيارات فردية صغيرة، لكنها كثيفة الدلالة: رفض زواج غير متكافئ، أو الإصرار على الكرامة، أو الدفاع عن حق الحب، أو حتى مجرد امتلاك رأي مستقل في مجتمع يرى في استقلال المرأة خللًا في النظام الطبيعي للأشياء.

تتجلى هذه الرؤية بوضوح في قراءة الكتاب لأعمال جاين أوستن، التي كثيرًا ما وُصفت – على نحو اختزالي – بأنها كاتبة رومانسية محافظة؛ غير أن التحليل النقدي يكشف أن أوستن قدّمت، عبر شخصيات مثل إليزابيث بينيت، نموذجًا لامرأة ترفض اختزال الزواج في كونه صفقة اجتماعية أو حلًا اقتصاديًا أو خضوعًا صامتًا لإملاءات العائلة. فتمرد إليزابيث لا يتجلى في الثورة أو القطيعة، بل في العقل، والذكاء، والسخرية الهادئة، والقدرة على قول «لا» داخل مجتمع يجرّم هذه الكلمة حين تصدر عن امرأة

ويحسب للكتاب أنه لا يفصل بين التمرد الأدبي وسياقه القانوني والاجتماعي؛ فحرمان المرأة من الميراث، وتبعيتها الاقتصادية، وتفضيل الذكور، لا تُقدَّم بوصفها خلفيات عابرة، بل كعناصر مركزية تفسّر عمق الصراع الداخلي الذي تعيشه البطلات. هنا يصبح الأدب مساحة تعويض رمزي، تمارس فيه المرأة ما حُرمت منه في الواقع: الاختيار، والرفض، وإعادة تعريف المصير

ينتقل الكتاب بعد ذلك إلى شارلوت برونتي وروايتها المفصلية جين آير، حيث يبلغ تمرد المرأة مستوى أكثر وضوحًا وجرأة. فجِين ليست جميلة بالمعنى التقليدي، ولا ثرية، ولا محمية اجتماعيًا، لكنها تمتلك ما هو أخطر: وعيًا حادًا بذاتها، وإصرارًا على كرامتها، ورفضًا لأن تكون تابعة حتى في أكثر العلاقات حميمية. قراءة الكتاب لهذه الشخصية لا تتوقف عند بعدها الرومانسي، بل تضعها في صلب العصر الفيكتوري القاسي، حيث كانت المرأة، قانونيًا وأخلاقيًا، كيانًا محدود الاستقلال.

تمرد جين آير، ليس تمردًا عاطفيًا، بل تمرد أخلاقي في جوهره. فهي ترفض أن تكون عشيقة، وترفض زواجًا يفتقر إلى الندية، وتختار الفقر والوحدة على حساب التفريط في ذاتها. وفي هذا الاختيار تتجلى إحدى الأفكار المركزية للكتاب: التمرد الحقيقي لا يكمن في كسر القوانين فحسب، بل في الحفاظ على الذات حين تكون القوانين نفسها أداة للقهر

وعند فيرجينيا وولف، يبلغ التمرد ذروته الفكرية، ويتحول من صراع فردي إلى سؤال فلسفي وثقافي شامل. فـغرفة تخص المرء وحده لا تُقرأ هنا بوصفها مطالبة بمكان مادي، بل باعتبارها شرطًا وجوديًا للكتابة، والإبداع، والحرية. ويعيد الكتاب قراءة نص وولف بوصفه تفكيكًا جذريًا للبُنى الثقافية التي أقصت المرأة من التاريخ الأدبي، مؤكدًا أن غياب الصوت النسائي لم يكن محض صدفة، بل نتيجة منظومة كاملة من الحرمان الرمزي والمادي.

ولا يغفل الكتاب التوقف عند شكسبير بوصفه حالة إشكالية، إذ تتجاور في نصوصه نساء متمردات وأخريات خاضعات، في انعكاس معقد لروح عصره. وهنا يتجنب التحليل السقوط في ثنائية الإدانة أو التمجيد، مقدّمًا قراءة متوازنة ترى في شخصيات مثل كاثرين في ترويض النمرة مساحة مفتوحة للتأويل: هل النص يشرعن الإخضاع، أم يسخر منه؟ سؤال يتركه الكتاب بلا إجابة حاسمة، وهو ما يُحسب له نقديًا

أحد أبرز ما يميز هذا العمل رفضه اختزال المرأة في خطاب الضحية الدائمة، أو في نموذج بطولي مثالي. فالمرأة هنا كائن إنساني كامل، يخطئ ويصيب، يساوم أحيانًا ويتمرد أحيانًا أخرى، لكنه في جميع الأحوال يسعى إلى ذاته. وبهذا المعنى، لا يبدو الكتاب دفاعًا أيديولوجيًا بقدر ما هو قراءة إنسانية عميقة لمسار طويل من البحث عن المعنى والكرامة

في المحصلة، لا يقدّم هذا الكتاب دراسة في الأدب فحسب، بل يفتح أفقًا للتأمل في سؤال لا يزال راهنًا: كيف يتحول التمرد من فعل فردي معزول إلى وعي جمعي؟ وكيف يستطيع الأدب، حتى وهو محكوم بقيود عصره، أن يزرع بذور التغيير؟

إنه كتاب يكتب عن المرأة، لكنه في العمق يكتب عن الإنسان، وعن حقه الأصيل في أن يكون ذاته، بلا وصاية، وبلا خوف.

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

1 تعليق
تامر توفيق 22/01/2026 - 09:28 AM
كتاب رائع وأسلوب شيق بالتوفيق دائما

أضف تعليقك

6446
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.