«فنجان قهوة مع نيتشه»..وحوار عن فلسفة الأخلاق عنده " 1 "
منذ سنوات وأنا أحلم بلقاء نيتشه، لم أفكر قط أن الموت قد يحجب اللقاء، حتى خرج لي من بين سطوره، على وجهه ذلك العبوس الذي كان جزءًا من تكوينه، لأجدني، بلا مقدمات، أسأله: لماذا؟
هل يعقل أن تعتبر الأخلاق مرضًا وتهاجمها؟
إنك لم تسأل عن الأخلاق كما سأل الفلاسفة من قبلك، كأن تقول: ما الأخلاق؟ ما الخير؟
بل طرحت السؤال الأكثر تهديدًا:
من اخترع الأخلاق؟ ولماذا؟
السؤال الذي طرحته عن الأخلاق التي اعتُبرت، على مرّ التاريخ، مقدسة، صوّرها فلاسفة قبلك على أنها فطرة الإنسان. بل لم تكتف بطرح هذا السؤال، حتى ذهبت إلى القول إن الأخلاق مشكلة وليست فضيلة.
تقول في كتابك جينالوجيا الأخلاق – التمهيد:
«نحن لا نعرف أنفسنا – نحن العارفين –
(هكذا قلتها بتهكّم)
لم نسأل أنفسنا يومًا: من أين جاءت أحكام القيمة هذه؟»
وصفتَ الأخلاق بأنها تعكس هشاشة الإنسان وعجزه.
فعندما يعجز الإنسان عن ردّ فعل أو عن تحقيق انتصار ما، يقوم بعملية إعادة تعريف للقيمة، لا بالقوة، بل بالتحايل على تعريف القيمة نفسها.
بهذه الطريقة، لم ينتصر الخير لأنه الأقوى، بل لأنه استطاع التخفي والتحايل، واتخذ صورًا مختلفة، أكثر تعقيدًا وخبثًا.
الضغينة عندك: الخَلْق الحقيقي للأخلاق.
ما فهمته من جملتك هذه أنه، مثلًا:
هناك شخص شجاع، قوي، غني.
وآخر ضعيف يراقب كل ذلك، لكنه لا يستطيع أن يأخذ منه شيئًا أو يسرقه، لأنه لا يملك قوة جسدية،
فيتجه إلى تغيير معنى الفعل:
القوة تصبح ظلمًا، الجرأة غرورًا، الثراء طمعًا.
هنا تكون الأخلاق ابنة الحقد المكبوت، وينشأ ما سميتَه أخلاق العبيد.
الضعف بوصفه اختيارًا أخلاقيًا
تبدّت لك أول خدعة كبرى، وهي أن الضعف يُقدَّم اختيارًا أخلاقيًا لا قدرًا مفروضًا.
في نظرك، الأخلاق ليست وحيًا، بل تاريخ انتصار لفئة على أخرى.
انتصار من لا يملكون الفعل على من يملكونه. يتم هذا الانتصار عبر:
اللغة، القيم، والضمير.
اللغة والقيم والضمير عندك، كما حاولتُ فهمهم منك:
اللغة: ليست وسيلة وصف، بل وسيلة حكم. من يملك اللغة يملك تسمية الأفعال، توصيف الدوافع، وتوزيع الصفات.
مثلًا: الضعفاء لم يقولوا «نحن عاجزون»، بل قالوا «نحن متواضعون». لم يقولوا «نحن عاجزون عن الانتقام»، بل قالوا «نحن نغفر».
القيم: تحدد ما الذي يُمدَح وما الذي يُذَمّ.
قلب الضعفاء سلّم التقييم: القوة صارت قساوة، الجرأة طيشًا، الكبرياء تكبرًا، والطاعة صارت فضيلة. بهذه الطريقة، نُشِلّ الفعل من الداخل.
الضمير: هو صوت الجماعة الذي سكن داخل الفرد ليعاقبه بالذنب، واللوم، والخجل.
الغريزة التي لا يُسمح لها بالفعل تنقلب إلى الداخل وتتحول إلى شعور بالذنب.
والغريزة عندك، كما أوضحتها في أكثر من موضع، هي الطموح وإرادة الاقتدار.
«ليس الهدف من الغريزة البقاء، بل التوسع، والسيادة، والزيادة.»
ثم وجدتك تنسب كل هذا إلى فكرة الضغينة، التي وضحتها بأنها شعور مكبوت عند من لا يستطيع الانتقام بالفعل، فينتقم بإعادة تعريف العالم أخلاقيًا.
هل يعقل أن ترى الأخلاق كذبة كبرى؟
لم تكتف بقولك إن الأخلاق كانت خاطئة، بل قلت: «إنها كذبت بشأن نفسها». ادّعت ما ليس فيها، وأصبحت مجرد وسيلة انتفع بها الضعفاء.
وأخيرًا، في كتابك ما وراء الخير والشر:
«نحن لا ندمر القيم، نحن نكشف عن أصلها.»
تقول إنك لم تهدم الأخلاق لتترك الإنسان بلا بوصلة، بل لتضعه أمام سؤال لا مخرج منه:
هل نعيش وفق ما اخترناه لأنفسنا من قيم، أم وفق ما اختير لنا وسُمّي خيرًا؟
في الحديث القادم، ربما تجيبني لماذا رفضتَ الأخلاق المطلقة، وكيف يمكنك أن تقنعني بقيم جديدة تتجاوز مجرد التقليد، دون أن أشعر بأنك تعبث بي.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك