ما الفرق بين الالتزام و الإلزام ؟
قُدرتُكَ على الالتزام بنمَط سلوكي غير اعتيادي مثل الزهد أو التخفّف أو الصيام المتواصل لا يعني أن تُلزَم مَن حولَك بهذه الأنماط السلوكية المُثلى (ما يزيد على الفرض)، ولا يعني أن تُجبر أولادك أو زوجك أو أهلك على اتّباع هذا النمط وأن تَعيبهم حين لا يفعلون ذلك أو تراهم بوصفهم تافهون أو سطحيون أو سخيفون.
وهذه المفارقة ممكن أن نسحبها إلى نطاقات مماثلة في عصر يشيع فيه أن يُسوِّق النّاس لتجاربهم على منصّات التواصل بوصفها الطريقة المُثلى التي يجب على الآخرين اتّباعها.
نحن نعيش في (عالَم من التعليمات) بالرغم من افتقار أصحاب التعليمات والتوصيات لأيّ خبرة كثيفة أو حقيقية بالحياة، لذا أقول دائمًا نحن أمام (حُكماء بلا حكمة) و(مؤثّرون بلا تأثير) و (خُبراء بلا خبرة)
إنّ هاجس مشاركة الآخرين الوصايا والتعليمات والنصائح، قد يكون تعبير جيّد عن عدم اقتناع وجداني بما تفعله ومحاولة لتبرير صحّته من خلال إلزام النّاس بفعله.
هناك معيار جيّد للنضج، تجسيده:
أن تستطيع أن تقبّل ما تفعله أنت دُون أن تهدم ما يفعله الآخرون، ودونَ أن تُحاول أن تجرّهم إلى فعل ما تفعله بالضرورة.
ويقول شيخ الحنابلة أبو الوفاء بن عقيل، في كتابه صيد الخواطر، مقولة مماثلة حين قال:
"ما لَم تجده في غَيرِك، فلا تتشاغَل بالتعجّب من عدمه"
أحيانًا يتحوّل (التزامك الاستثنائي) بنمط سلوكي ما، في حال سعيك المستمرّ إلى فرضه على الآخرين، إلى نوع من الفظاظة والثقل والإثقال على الآخرين.
الأصل في معاملة النّاس العدل، والحدّ الأدنى من الفضيلة، ليس الأصل في النّاس أن يتكيّفوا مع سقوفكَ المرتفعة وعاداتك الاستثنائية.
ويذكر الدكتور أديب الصانع في شرح إحياء علوم الدّين، قصّة عن الإمام البِشر الحافي، وفيها أنّه كان يأكل في يومه تمرة واحدة.
فسأله أحدهم: ألا تعمل؟ فتأكل أكثر ممّا تأكل؟
فأجابه: لو تأهّلتُ.. لتكسّبتُ
أي لو تزوّجتُ وكان لي أهلٌ وولد، لوجدتني أعمل وأجني المال فأُطعمهم كما يأكل النّاس، لا كما آكل أنا.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك