تونه الجبل سجل الحضاره ومرآة الفكر المصرى القديم
تُعد تونة الجبل واحدة من أبرز وأغنى المناطق الأثرية في مصر، ليس فقط لما تحتويه من آثار فريدة، بل لما تمثّله من تداخل عميق بين العقيدة والدولة والعلم في الحضارة المصرية القديمة. تقع تونة الجبل في محافظة المنيا، على الضفة الشرقية لنهر النيل، مقابل مدينة ملوي، وكانت الجبانة الرسمية لمدينة الأشمونين (خمنو)، أحد أهم المراكز الدينية في مصر القديمة.

تونة الجبل وعبادة الإله تحوت
ارتبطت تونة الجبل ارتباطًا وثيقًا بعبادة الإله تحوت، إله الحكمة والكتابة والعلوم والفلك، والذي عُدّ حامي الكتبة والعلماء والقضاة. وقد انعكس هذا الارتباط في طبيعة الدفن بالموقع، حيث لم تكن الجبانة مخصصة للبشر فقط، بل شملت أيضًا دفن الحيوانات المقدسة المرتبطة بتحوت، وعلى رأسها طائر أبو منجل وقرد البابون، في طقس ديني يعكس قدسية المعرفة والعلم.

العمارة الجنائزية والسراديب
تتميّز تونة الجبل بشبكة مذهلة من السراديب والممرات الصخرية الممتدة تحت الأرض لمسافات طويلة، خُصصت لدفن آلاف المومياوات الحيوانية. وقد بُنيت هذه السراديب بدقة هندسية لافتة، تدل على التقدم الكبير في التخطيط والبناء خلال العصرين المتأخر والبطلمي. أما المقابر البشرية، فتنوعت بين مقابر بسيطة وأخرى فخمة لكبار الكهنة ورجال الدولة.

مقبرة بيتوزيريس: نموذج فريد
تُعد مقبرة بيتوزيريس من أهم معالم تونة الجبل وأشهرها، وهي تخص كبير كهنة تحوت في أواخر العصر الصاوي. وتكتسب هذه المقبرة أهميتها من كونها تمثل مرحلة انتقالية في الفن المصري، حيث جمعت نقوشها بين الطابع المصري التقليدي والتأثيرات اليونانية، في مشاهد تُصوّر الحياة اليومية، والطقوس الدينية، والأعمال الزراعية، مما يجعلها وثيقة فنية وتاريخية نادرة.

الدلالات الحضارية والفكرية
تعكس تونة الجبل جانبًا عميقًا من الفكر المصري القديم، حيث لم يكن الدين منفصلًا عن العلم أو الإدارة، بل كان تحوت رمزًا للنظام الكوني والعقل الإنساني. كما تُظهر المقابر والنقوش مدى احترام المصري القديم للمعرفة والكتابة، واعتبارهما أساسًا لاستقرار الدولة واستمرار العدالة.

تونة الجبل في العصر الحديث
ما زالت تونة الجبل حتى اليوم موقعًا مفتوحًا للاكتشافات الأثرية، حيث كشفت الحفائر الحديثة عن المزيد من التوابيت والمومياوات والتماثيل والنصوص، مما يعزز مكانتها كأحد أهم مواقع مصر الوسطى. كما تمثل عنصرًا مهمًا في تنشيط السياحة الثقافية بمحافظة المنيا، التي تُعرف بأنها «عروس الصعيد» وكنز آثار مصر المنسي.

خاتمة
إن تونة الجبل ليست مجرد موقع أثري أو جبانة قديمة، بل هي مرآة تعكس عمق الحضارة المصرية القديمة، واحترامها للعقل والعلم والدين في آنٍ واحد. ومن خلال آثارها ونقوشها، تروي تونة الجبل قصة أمة جعلت من الحكمة أساسًا للخلود، ومن المعرفة طريقًا إلى الخلود الأبدي.

#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك