من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

قراءة في رواية الجادة السلطانية للكاتبة اليمنية آسيا ناصر

دكتور علي عبد الظاهر أستاذ النقد الأدبي المساعد بجامعة منيسوتا الأمريكية والمحاضر بكلية التربية بالكويت
قراءة في رواية الجادة السلطانية للكاتبة اليمنية آسيا ناصر

تدور الرواية حول البطلة (زبيدة) التي ٍ تعيش حالة من القلق والبحث الداخلي، تدفعها إلى استعادة ذكرياتها منذ كانت جنينا في بطن الأم ! ثم تعود -ذهنيًا- إلى أماكن وشخصيات ارتبطت بتاريخ السلطة والماضي. متخذة طريق الجادة السلطانية نقطة ارتكاز أساسية، فتسير الساردة في الجادة، لتستحضر تاريخ المكان وما ارتبط به من سلطات وحكام، منطلقة في مدن اليمن وتستعيد عبر الذاكرة مشاهد من طفولتها وتجاربها الشخصية، متقاطعة مع إشارات إلى وقائع تاريخية. وخلال هذا المسار، تظهر شخصية زبيدة بوصفها حضورًا متكررًا في الوعي السردي، فتعود الساردة إلى سيرة زبيدة التاريخية (زوجة هارون الرشيد)، وتربط بينها وبين تجربتها الذاتية، في محاولة لفهم موقع المرأة داخل بنية السلطة والتاريخ.

تتنقل الأحداث بين لحظات الحاضر، حيث تعيش الساردة واقعًا متوترًا مليئًا بالأسئلة، وبين استرجاعات زمنية تستحضر فيها حكايات عن الحكم، والقصور، والجادة بوصفها طريقًا للموكب السلطاني ومركزًا للحكم والنفوذ. كما تستدعي الرواية شخصيات تاريخية أخرى، مثل الملك المظفر، في سياق استحضار فترات من الحكم والصراع على السلطة، دون تقديم سرد تاريخي تفصيلي، بل عبر لمحات ومقاطع متفرقة.

ومع تقدم الرواية، تتكثف الاستدعاءات، ويغلب على الأحداث طابع التأمل والمقارنة بين الماضي والحاضر. تعود الساردة إلى مواقف شخصية شهدت فيها التهميش أو الشعور بالاغتراب، وتربطها بما عاشته شخصيات تاريخية نسائية في ظل السلطة الذكورية. وتستمر الحركة السردية في التردد بين السير في الجادة بوصفه حدثًا راهنًا، والسير في الذاكرة بوصفه استدعاءً للماضي.

في الفصول الأخيرة، تصل الساردة إلى حالة من الإدراك بأن التاريخ الذي طالما قُدِّم بوصفه حقيقة ثابتة ليس سوى (ميراج)، وأن ما بقي خفيًا هو تجارب الأفراد الذين عاشوا في ظله. وتنتهي الرواية دون حسم حدثي واضح، إذ تبقى الساردة في حالة تساؤل ووعي متجديدين، وقد أدركت أن رحلتها في الجادة كانت رحلة داخل الذاكرة والذات أكثر من كونها انتقالًا مكانيًا، لتظل النهاية مفتوحة على احتمالات متعددة.

وتنتمي رواية «الجادة السلطانية» إلى الرواية الحديثة التي تمازج السرد الواقعي بالتخييل الرمزي–التاريخي، بنتاج أدبي فريد تستثمر فيه الكاتبة الذاكرة الفردية والذاكرة الجمعية في بناء عالم روائي تتقاطع فيه الذات الأنثوية مع التاريخ السلطاني.

وبالنظر إلى العنوان نجد الكاتبة تستثمر عنوان الرواية الذي جعلته هو المكان نفسه (الجادة السلطانية) أحد الأشخاص بالرواية فالعنوان يحوي المكان، لكنه ليس مكان الرواية بل جسر تاريخي يرمز ولا يصرح، ويشير إلى دلالات عميقة داخل الفضاء الروائي حيث جعلته الكاتبة رمزًا مركزيًا لعبور الوعي من الهامش إلى المركز.

الكاتبة بوعي شديد تعيد النظر في علاقة الذات بالتاريخ، كما تمزج الجغرافيا بالتاريخ وتنظر إلى السلطة بمنظور غير معتاد على أنها معنى عام يشبه خطابًا ثقافيًا لا مجرد حدث سياسي . وهذا نابع من فكرة الكاتبة أن التاريخ ليس حقيقة مكتملة، بل (ميراج) على حد وصف الكاتبة تصنعه السلطة، وتفككه الذاكرة الفردية.

والرواية كتصنيف فني أقرب إلى السيرة الذاتية لكنها تمزج الخيال بالواقع بالتاريخ في توليفة عجيبة لا تخلو من عناصر التشويق في حرفية عالية تشي بكاتبة موهوبة تملك أدوات الكتابة الفنية للرواية وتسير في سردها بخطى ثابتة وجريئة في بناء نص تأملي ذي حمولة رمزية كثيفة.

غلب على الرواية استخدام السرد الاستبطاني بضمير أنا حيث تتكلم البطلة من داخل التجربة، لا من خارجها وهذا نجح في تكسير المسافة بين القارئ والنص وهو خيار فني ناجح مكّنها من النفاذ إلى العالم الداخلي للشخصية الرئيسة، ومنح النص عمقًا نفسيًا ووجدانيًا واضحًا ما ساهم في إضافة مساحات كبيرة للبوح وطرح أسئلة الهوية والذاكرة والانتماء .

استطاعت الرواية أن تنجح في اختبار صعب وهو خيار يتحاشاه كثير من الكتاب لأنه سلاح ذو حدين حيث وظفت الزمن غير الخطي، حيث يتداخل الحاضر مع الذاكرة الفردية والتاريخ الجمعي، في بنية سردية متماسكة إلى حد كبير بأسلوب السرد المتناوب أحيانا والتصاعدي تارة أخرى لتعكس به حال التوتر في الوعي المعاصر، وتعيد تشكيل الماضي وفق منظور الذات الساردة لا بوصفه مادة خامًا يسرد كتاريخ صامت .

أما الزمان فنجده يتماوج في الرواية ما بين زمن الحاضر (الرحلة/الوعي) وزمن الذاكرة الشخصية والزمن التاريخي الرمزي (السلطنة، المظفر، زبيدة) ، هذا التداخل والتماوج لا يأتي عبثا، بل يؤكد فكرة الكاتبة التي تبنتها في هذا العمل التي تقول إن الماضي لا يُستعاد، بل يُعاد تشكيله وفق حاجات الحاضر، فالانتقال ما بين العصر الحديث وعصر هارون الرشيد مرورا بعصر الملك المظفر- أقوى ملوك اليمن منذ أربعة قرون مضت- وينطلق كالمطاط الذي يمتد ثم ينكمش وأحيانا يرتد في وجه القاريء محدثا صدمة عصف ذهني حين يجد نفسه في زمننا الحاضر مع أيلون ماسك تجعله يعيد ترتيب الأحداث مرة بعد مرة ويرتد للخلف كي لا ينقطع منه السرد الزمني .

أما المكان، فالأحداث تدور في مكان فيزيقي وأمكنة متخيلة أفرزتها الأزمنة في تمازج زمكاني واضح، محملا ببنى رمزية منتقلة بمسار العبور من الهامش إلى المركز حاملة معها معاني سياسية وثقافية عميقة .

وعلى مستوى البناء السردي، نجد الرواية تتعمد جعل الحدث في المرتبة الثانية من الأهمية لصالح التأمل، وترقية المستوى الذهني الذي يميل للغموض أحيانا فالرواية لم تبن على حبكة متماسكة أو صراع متصاعد، بل اتبعت أسلوب التداعي الفكري والوجداني المتواصلين

 وجاءت النهاية المفتوحة للرواية لتنسجم مع منطقها التأملي، لمقتضيات العصف الذهني للقارئ؛ فقد تعمدت أن تجعله في وضعية التوتر بعدم الاكتمال، نتيجة غياب تحوّل سردي حاسم أو تطوّر واضح في مسار الأحداث والشخصيات وهو ما يعزّز الإحساس بأن الرواية تفضّل الفكرة على الفعل، والتأمل على الإنجاز السردي.

.من أبرز نقاط القوة في الرواية لغتها السردية الواعية المتماسكة، فالجمل تكتب بأسلوب رصين لا ضعف فيه ولا انحراف ولا زيغ، وتتبع الفصحي الميسرة بلا تعقيد، كما نلحظ أن الكاتبة ضنينة في استخدام أحرف العطف، تجاهد في السير في سردها بدونها، والخيال رائق جاء عفو الخاطر بطريقة فنية جميلة بلا تكلف، أحسنت فيه توظّف المجاز توظيفًا واعيًا يخدم الرؤية الفكرية للنص.

كما أنه من الملاحظ حضور التناص التاريخي والثقافي بوصفه عنصرًا داعمًا للبنية الدلالية، دون أن يتحول إلى استعراض معرفي.

ولا يخفى على القاريء أن الكاتبة توظف الرمز توظيفا عاليا بخبرة ودراية جعله عنصرًا بنيويًا في الرواية، فهناك رمزية تاريخية تمثلت في شخصيات وأزمنة وأمكنة ورموز حاضرة تمثلت في شخصية (أيلون ماسك) الذي ألمحت إلى ما يقال عنه بأنه المسيخ الدجال من وجهة نظر البعض، والحاكم الذي أضاءت سيرته المشرقين؛ نظرا لوجود من يتكلم عنه في الشعر وفي التاريخ، في مقابل الحاكم الذي يعمل في صمت ولا يهمه الشهرة، وكذلك الرموز الاجتماعية في شخصيات صديقاتها وأبيها وأخوته، كما اكتظت الرواية بشخصيات كثيرة وظفتها توظيفا رمزيًا لا توثيقيًا؛ ما أعطى زخما وتضخما في الأحداث بشكل واضح، كما أن ثراء الرمز وتضخمه أحيانا في الرواية أعطى لها شكلا جعل القارئ يتوهم للوهلة الأولى أنها تنتمي إلى التيار اللامعقول والعبث .

وتأتي النهاية المفتوحة منسجمة مع طبيعة النص التأملية، لكنها قد تُشعر القارئ بعدم الاكتمال، لغياب تحوّل سردي حاسم أو خاتمة تعيد ترتيب الأسئلة التي أثارها النص.

على الرغم من هذه الجوانب الإيجابية، لم تخلُ الرواية من بعض المآخذ الفنية التي أثّرت في تماسكها السردي، لعل من أبرزها ضعف الحدث الروائي وهيمنة التأمل على الفعل، إذ تفتقر الرواية إلى حبكة واضحة أو صراع متصاعد، وتعتمد على التداعي الفكري والوجداني أكثر من اعتمادها على البناء الدرامي، ما أدي إلى بطء الإيقاع وغياب الذروة السردية.

كما أدّى اعتماد السرد بضمير المتكلم إلى هيمنة الصوت الواحد، فتراجعت التعددية الصوتية، وبقيت الشخصيات الثانوية محدودة الحضور والتشكيل، تؤدي وظائف رمزية أكثر من كونها شخوصًا مستقلة تمتلك عمقًا نفسيًا ودورًا فاعلًا في تحريك السرد.

ويؤخذ على الرواية أيضًا تداخل الأزمنة دون إشارات انتقال واضحة في بعض المواضع، مما يربك القارئ ويُثقِل عملية التلقي، خاصة حين لا يكون الانتقال الزمني مبررًا فنيًا بشكل كافٍ داخل السياق السردي.

أما المكان، فعلى الرغم من قوته الرمزية، فقد عانى من ضعف التجسيد الحسي، إذ غابت التفاصيل المكانية الدقيقة التي تمنح الفضاء الروائي حياة ملموسة، فظل المكان في كثير من المقاطع فكرة أكثر منه تجربة معيشة.

كما أن كثافة الرمز، ولا سيما في توظيف مفاهيم مثل «الميراج» و«العبور» و«الظل»، أدّت في بعض المواضع إلى غموض دلالي زائد، تجاوز حدود الإيحاء الفني إلى الإبهام، وأثقل عملية التأويل.

بعض الأحداث تنافي المعقول مثل تذكر الكاتبة لما كان يحدث لها وهي جنين في بطن أمها وما كانت تعانيه من تعب بسبب تقلب الأم أثناء الحمل ! من شانه أن يضعف المصداقية الفنية خاصة في البداية ما قد يعطي انطباعا غير مرغوب فيه عند القاريء ويؤثر على رأيه الانطباعي الأولي .

وأيضا وجود الفخارة في حجرتها بصنعاء وبها ما بها من رموز كالمفتاح والورقة المكتوب فيها النبوءة التي تخصها هي شخصيا، يطرح تساؤلات لا تصب في صالح البناء السردي مثل من وضعها ؟ وكيف وصلت إلى صنعاء وهي من منطقة أخري نشأت فيها مع أبيها فكيف تأتي إلى مسكنها بعد موت الأب، ومن وضعها في بيتها الذي لم يشهده الأب ولم يشهد طفولتها ؟ وأين كانت الفخارة طيلة هذه الفترة ؟ ومع بساطة معرفة ما بداخلها فكيف لم تتنبه إليها البطلة ؟

وفي الختام :

تمثل «ميراج – الجادة السلطانية» تجربة روائية فريدة وجريئة في الوقت نفسه، نجحت في مساءلة التاريخ والسلطة من منظور ذاتي وأنثوي، وقدّمت لغة عالية الحساسية ورمزًا كثيف الدلالة، وبها خصيصة تمثل مزية لدى البعض ويعيبها البعض الآخر هي أن الرواية نخبوية التلقي، تُخاطب قارئًا واعيًا بالأسئلة الفكرية أكثر مما تُخاطب القارئ البسيط ضحل الثقافة الذي يهدف إلى المتعة الحكائية . ومع ما بها من مآخذ فهذه لا تعيبها أو تنقص من مكانتها كرواية فنية كتبت باحترافية غنية بالأفكار وما تسوقه من معان وفكر واع له اعتباريته ودلالاته العميقة .

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

6489
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.