من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

الجوعى " قصة قصيرة "

شيماء موسى
الجوعى


 

راقبَهم بحذرٍ، ينتظر خطواتهم؛ هل سيُقبلون، أم سيدبرون؟

فاقدو البصر لكنهم يستشعرون دبيب النمل؛ لذا آثر الصمتَ والتحرّك دون حِمل، زحزح الجثث خوفًا وخشية.

كلما نظر خلفه وجدَ المطاف قد اقترب والجوعى خارج نطاق قوتهم المعهودة، أعطاه هذا الاستنتاج بعضًا من الثقة بالنفس؛ فأسرع تاركًا الحذر خلفَه مادًّا يده التي بدت غريبة عن جسده، فتح الباب بهدوء وببعض غرور معتمدًا على حواسه، حيث إن الظلام بالدّاخل يُماثل ما بالخارج إن لم يكن يغلبه.

تحسّس الجدران عن يمينه؛ فوجدها لينة كالعجين، كلما ضغط يده فيها غاصَت بالداخل. قرّر أن يتجه إلى الناحية الأخرى مستندًا على الحائط الذي بدا وكأنه مصنوعٌ من السحاب، تقدم إلى الأمام وهو يعدّ ليحسب الوقت والهواء المتاح، يبدأ العدّ وينهيه ثم يعود ليحسب من جديد وبدقة، أخيرًا نجح في أن يُقدِّرَ أن أبعَدَ مسافةٍ تحتاج إلى خمسين دقيقة، إذًا هو يحتاج إلى قناعين من الأكسجين.

مدّ يده فتزوّد بقناع الأكسجين وعاود يُعاين الجثثَ ليأخذ منها ما يمكنها الاستغناء عنه، تحسّس أول جثةٍ فوجدها دافئة كالحياة، وضع يده في منتصف الصّدر فشعرَ بنبضات قد قاربت أن ترتخي، أخذ يهزّ الجثةَ ولكنها ثابتة بلا حراك، ضلّت طريقها؛ فلا ارتاحت وذهبت إلى الجانب الآخر، ولا عاودت الشقاء فاندمجت من جديدٍ مع متاعب الأحياء. تركها وتابع يتحسّس الجثة الثانية ليجدها أنثى، فتحرّج بحياءٍ لعُريها، حاول أن يوقظها فتململت بصوتِ البعث ولكن دون حركة، انتظر قليلا ثم حملها على ظهره، فلن يترك وردةً ملقاة على الطريق دون رعاية. أخذ قناعها وأكمل طريقه.

كان على يقين أن نهاية الطريق والخروج من المكان همَا شيء واحد، كلما ابتعد عن حجرة الجياع شعرَ بأنه ليس وحيدًا، كانت الأمور تبدو أكثر وضوحًا بعيدًا عنهم، راحت تنزاح الغشاوة ليعمّ النور تدريجيًّا؛ ازداد غوص الحائط في تلافيف الممرّ اللين والذي صار شاسعًا بعدما كان ضيّقًا بسبب الجثث، هذه المرة قرر أن يقف على قدميه، انتهى من العدّ ليعبث بوجهه تيار هواء فاتّبعه وهو يشعر بأنه مراقَبٌ؛ لكنه اعتبره هوى في نفسه دون دليل، فلا أحد حوله ولا أحد يلمسه.

دفع الباب لتتخلّل جسده أشعة من الدفء والحميمية، فكلما تحسّسَ الضوء زاد داخله الاطمئنان؛ حتى صار في جسده سعير من الحرارة. شعر بالضعف وقد أوشك جسده على السقوط، فالحمل على كتفه أصبح ثقيلًا والهواء قارب على النفاد، دفع دفعة حسبها ضعيفة لكنها أتت ثمارها وفتح الباب، توقف فجاءة وقد خاب ظنّه؛ فما حسبه شمسًا لم ينتج عنه إلا الظلام، وضع حملَه على الأرض، ثم تابع التّقدّم وهو يتحسس الطريق، اصطدم بحائطٍ بارد فاقترب أكثرَ يتبيّنه. شعر بالوحدة من هذا الحائط الزجاجي الملمس، أخذ بطرفه فلم يفتح له ممرًّا ولا بابًا، في تلك اللحظة كان قد زهد في أن يجدَ الطريق والملجـأ، نال منه التّعب فأعياه، ومن جديد تلاشى الأمل في عباءة الظلام، احتار وأُسقِطَ في يده، فوقع جالسًا بلا حركة، أنصت فسمع صوتَ زحفٍ على الأرض بجواره، هبَّ بعضٌ من الحذر في نفسه وطفق ينادي: من هناك؟!

رد عليه صوت ساحر ناعم: أنا من أنقذت!

اقترب من اتجاه الصوت يتلمّسها؛ لعلّه يجد في هذا المحبس ما يصبره على الظلام، كلما لمسها كلّما ضعف جسدها وغاصت كالجدار، ثم تغيّر صوتها وراح يختفي تدريجيًّا، ثم كما وُجِدَت انعدمت من الوجود، فلم تعد ونيستَه التي رغب بها، توقفت عن كونها ساحرة، هزّها فلمْ تُجِب، وسقطت كخرقة بالية دون روح ودون جسد، كأنها كانت ترتدي جسدًا ليس جسدها، فرّ من عقله المنطق، أخذ يطرق رأسه بالجدار الزجاجي حتى فارقَه النّفس.

استيقظ ليجد نفسَه في غرفةٍ كبيرة منيرة بنورٍ ساطع، يجتمع حوله العديد من الرجال والنساء يرتدون معاطفَ بيضاء، مدّ يده يحاول لمسَ أحدهم؛ يريد أن يتأكدَ منه، هل هو عاقل أم مجنون؟

لكن يده اصطدمت بجدارِ الصندوق الزّجاجي الذي يحيط بجسده، ها هم يراقبونه بتركيز شديد وهدوء وكأنه ساحر أو كنز يمتلكونه ويخشون عليه، مدّ يده ليلمسَ رأسَه وجسده فوجد عدة خراطيم دقيقة تخرج من كلّ بوصة في جسده، بينما رأسه مغطّى بخوذة من الحديد اللّزج، سمع كلامهم عنه واستطاع أن يميّز حديث أحدهم، كان الشيب يشكل غيمة أعلى رأسه:

- غريب! هل ما زال يظنّ أنه داخل موطن الجوعى؟! أهمّ شيء أنّ التجربة نجحت، لنهنئ أنفسنا على هذا السبق، خلقنا أول أنثى وذكر من الجوعى بعقولٍ لها منطق البشر.

ختم الرّجل ذو المعطف الأبيض كلماته بأن وضع عدة مرايا فوق الصندوق الزجاجي، ليتمكن الذّكر أن يرى انعكاس نفسه، تطلّع في انعكاسه ليجدَ جسده يختلف عنهم، هو كائن لكنه ليس إنسانًا، بل ينتمي إلى هؤلاء الوحوش بعيونهم السوداء الضيقة ورؤوسهم المدبّبة بلا لون ولا ملامح، في تلك اللحظة أيضا أمكنه أن يرى الصندوق المجاور له حيث تقبع الأنثى، ثم تابع العَالِم:

- سأطلق عليه اسم الكائن الأول، لأنه أول من يستطيع الرؤية بين نسل الجوعى، هذا أمرٌ يستحق الاحتفال يا رفاق.

مرةً أخرى تعالت هتافات التأييد للاحتفال، ودعاهم الرجل ذو المعطف الأبيض والشيب في رأسه لتناول الطعام معًا احتفالا بهذا النصر.

خرجوا جميعا وتركوا الجوعى وحدَهم دون صحبة ودون طعام، نظر الكائن الأول نحو الأنثى فحرّكت رأسها ونظرت إليه لمدة ثوان قليلة ثم هزّت رأسها متفهمة، سرعان ما تأهّب كل منهما بانتظار وليمته بعدما تعود من مرحلة العلف والاستعداد؛ فما أجمل اللّحوم البشرية المعبأة بالبروتينات حين تُلتَهَم، ربّما تزداد حواسهم نشاطًا كما قال هذا الرجل ذو الغيمة البيضاء فوق رأسه. كانت الفكرة في رأس الكائن الأول، ولكن الأنثى استوعبتها وفهمتها، وأطرقت رأسها تتّفق معه فيما يرى .


#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

6491
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.