من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

الحب سُلّم المعرفة!

عاطف محمد عبد المجيد
الحب سُلّم المعرفة!


هناك قراء مهتمون، بل شغوفون، بالبحث والاطلاع على حيوات الكتاب والمبدعين الخاصة، بل وعلى علاقتهم بالآخرين، سواء أكان ذلك الآخر صديقًا، أم زوجة، أم حبيبة، باحثين فيها عن تفاصيل جديدة لم يعرفوها من قبل، عازمين على معرفة ما هو مختلف لدى هؤلاء المبدعين عمن سواهم، طامعين في العثور على تجربة حياتية أو إنسانية يجدون فيها سلوى لهم، أو علاجًا لمشكلة ما يواجهونها، أو تهدئة لشعور لا يكف عن الصياح بداخلهم. كذلك هناك كتاب يبحثون عما وراء المشهد الإبداعي لهؤلاء، عما يختبئ وراء كتاباتهم التي تشير إلى أن هؤلاء يختلفون عن الآخرين، مفتشين عما ليس ظاهرًا من تفاصيل حياتهم الإبداعية والخاصة للجميع، وربما سعى هؤلاء إلى طمس معالمه حتى لا يعرفه أحد.

***

ذات يوم كتب الصديق الشاعر مصطفى عبادة عن فكرة "الثنائيات" التي عالجتها عبر أكثر من حالة، وأكثر من نموذج، قائلًا: هكذا قرر عزمي عبد الوهاب أن يصدر كتابًا يفضح فيه، ويعري مشاعر المثقفين، حين أمسك بمصباح التناقضات، ودخل حياتهم، من خلال ثنائيات عاطفية وإنسانية غالبًا، فهو يضع رؤية الواحد في مقابل رؤية الواحدة، ويختار من الرؤية ما يعبر عن كل طرف، دون أن يلفتك إلى التناقض، دون أن يشير إلى بذور الصراع، يتركها تنمو من خلال اختياراته لتكتشف وحدك أن أغلب المثقفين يتعاملون مع الحب كموضوع خاضع للفحص، فيصير بالنسبة لهم سلّمًا إلى المعرفة، سلّمًا إلى غيره لا إلى ذاته. هذا مقتطف من مقدمة عزمي عبد الوهاب لكتابه "أشباح في طريق البيت..ثنائيات في الحياة والثقافة" الصادر عن منشورات غاف، وفيه يتوقف عند كثير من الحالات التي شكلت ثنائية مانحة الحياة وجهًا آخر، وبثت الحيوية في جوانب كثيرة من كتابه هذا حتى أنها بدت كما لو كانت أشباحًا تطارده أينما ذهب، وقد تنوعت الحالات والإحالات ما بين تأليف كتاب مشترك أو تبادل رسائل أو حياة مشتركة. معلقًا على هذا الكتاب يقول عبادة إن علاقة الكاتب والكاتبة، حبًّا أو زواجًا، من الموضوعات التي ملأت الدنيا وشغلت الناس، دون أن يخضعها أحد المتورطين فيها للعلانية، لاختبارها أو نزع سمومها، ويظل سؤال علاقة المبدعة بزوجها شائكًا، سيبقى الأصل الاجتماعي حاكمًا، وسيبقى الوعي المعرفي بطلًا في القصة، وسيظل الفارق بين الواقع والخيال محيرًا وقلقًا وجوديًّا صادقًا، بينما يقف عزمي عبد الوهاب أمام هذه الحالات متأملًا، كاشفًا عن جوهر الشخصيات، والعلاقات الشهيرة التي جمعت بين شخصين اثنين بصورة تجعلهما يشكلان ثنائيًّا في الحياة وفي الكتابة، وتكشف عما يدور في الداخل من صراعات.


عالم بلا خرائط

ما بين ثنائية جلال الدين الرومي وشمس الدين التبريزي وثنائية الأخوين جريم يكتب عزمي عبد الوهاب عن عدد من الثنائيات الشهيرة عربيًّا وعالميًّا منها حجازي وعبد الصبور، فاتح المدرس وأدونيس، سارتر وريمون آرون، سارتر وسيمون دو بوفوار، أونجارتي ومحمد شهاب، بيكاسو وجيرترود شتاين، ماركيز ومرسيدس، مارلين مونرو وآرثر ميللر، دانتي والمعري، كامو وماريا كازاريس، جوليا كريستيفا وسولير، هنري ميللر وأناييس نين، وغيرها، وهنا نعرف أن رواية "عالم بلا خرائط" شارك في كتابتها كل من جبرا إبراهيم جبرا وعبد الرحمن منيف، وهي التجربة الثانية التي يشترك في كتابتها مبدعان بعد تجربة توفيق الحكيم وطه حسين في رواية القصر المسحور، وأن جلال الدين الرومي كان يرى أن صاحبه شمس الدين التبريزي هو الإنسان الكامل الذي تجلت فيه مظاهر الإنسانية فهو سلطان دولة العشق وأمير قافلة الحب الإلهي في عصره، وقد كتب الرومي عنه ديوانًا يحتوي على 42 ألف بيت شعري، وأن فكرة التناص من الأفكار المركزية في النظرية الأدبية والثقافية المعاصرة وقد برزت في أواخر الستينيات من القرن العشرين، ويعود الفضل في ذلك إلى الناقدة الفرنسية من أصل بلغاري جوليا كريستيفا التي قدمت إطارًا لهذه الفكرة في مقال لها عن باختين، وأن كامو كان يقول إنه من الضروري أن نقع في الحب، على الأقل يكون لدينا سبب للبؤس الذي يغمرنا في كل الأحوال، وأن دستويفسكي يقول في رواية المراهق: صدقني إن قلت لك إن حياة كل امرأة مهما يكن كلامها، ليست إلا بحثًا أبديًّا عن سيد تخضع له، إن فيها ظمأ إلى الخضوع، إن صح التعبير، احفظ هذا الكلام ولا تستثنِ منهن واحدة، وأن الرسائل المتبادلة بين الشاعرة النمساوية إنجبورج باخمان والروائي والكاتب المسرحي السويسري ماكس فريش، وعلى عكس الصورة الكلاسيكية للعاشقين اللذين يقاتلان من أجل بعضهما البعض، ينتهي هذا الحب نهاية مأساوية ويرسم صورة مدهشة للثنائي الشهير ويضع التقييمات السالفة لعلاقتهما الأدبية ومساحات اللوم بينهما موضع تساؤلات كثيرة.


ياكوب وفيلهم

رغم أن كثيرين ينظرون إلى حياة الكتاب والمبدعين على أنها حياة هانئة تسير في سلاسة سير الماء في نهر هادئ، إلا أن كثيرين منهم يعانون أشد المعاناة ويتعرضون لمآسي عديدة يظلون يواجهونها طوال حياتهم، وها هو ريلكه الشاعر الآسر الذي عانى من قسوة والده الذي أرسله إلى مدرسة عسكرية في الحادية عشر من عمره بقي فيها خمس سنوات وكانت تجربة قاسية بالنسبة له، وها هي الفنانة التشكيلية فريدا كاهلو التي لازمتها الممرضات ليل نهار في سنواتها الأخيرة وهناك قصص عن محاولات انتحارها المتعددة ودخولها في نوبات اكتئاب، وها هي مارلين مونرو التي كبرت وكبر معها خوفها من الآخرين ولم تعرف معنى للبيت ولم تدرك حنان العائلة، ولم تستمتع بدفء الأسرة طيلة حياتها، وقد كانت حياتها مع الرجال أكثر بؤسًا من طفولتها وقد تزوجت مرات كثيرة من رجال يكبرونها في السن في رحلة بحثها عن والدها الذي لم تعرفه أبدًا. أيضًا وفي كتابه الذي بذل فيه مجهودًاواضحًا، باحثًا ومنقبًا في بطون الكتب، ليجمع لنا كل هذه المعلومات عن ثنائيات ربما يتعرف القارئ على الكثير منها هنا للمرة الأولى، يكتب عزمي عبد الوهاب قائلًا إن الأدب الإنساني يعرف في عصوره المختلفة حالات قليلة اشترك فيها أخوان أدبيان في نشاط أدبي، دام ما دامت حياتهما، من هذه الحالات في الأدب الألماني حالة الأخوين ياكوب وفيلهم جريم اللذين ذاعت شهرتهما وعمت بلاد الدنيا بفضل مجموعة الحكايات التي عرفت باسم حكايات الأخوين جريم، فيما ينهي كلامه عن العلاقة بين نوال السعداوي وشريف حتاتة قائلًا إنه حدث تلاسن بينهما بعد علاقة استمرت لسنوات من الصمود في وجه العواصف السياسية والدينية والاجتماعية، لكن العاطفة دائمًا ما يكون لها رأي آخر، لا يعتد بحسابات السنين، ولا حتى الأفكار الثورية حتى لو كانت متقاربة، كذلك يتوقف أمام ثنائية صلاح عبد الصبور وأحمد عبد المعطي حجازي مشيرًا إلى أنهما كانا فرسيّ رهان دفعت بهما مصر أو رمت بهما أقدارهما في سباق الحداثة أو معترك ريادة الشعر الحديث، ومتحدثًا عن سارتر وسيمون دو بوفوار يذكر أنهما دفنا في قبر واحد وارتبط اسماهما معًا إلى الأبد، ولا يمكننا التفكير في أحدهما دون الآخر، وقد تبوأ الاثنان مكانة عالية في نهاية الحرب العالمية الثانية بوصفهما مفكرين حرين ملتزمين، وكتبا في جميع الأنواع الأدبية.                                                      

أهميته وآثاره

في حديثه عن ثنائية ألبرت أينشتاين وبابلو بيكاسو، يراهما الكاتب رمزين للعبقرية، وملهمين لأجيال من الفنانين والعلماء، وأيقونتيْ القرن العشرين، العلم الحديث هو أينشتاين، والفن الحديث هو بيكاسو، ومع أنه أمر مسلم به أن يجد المرء دومًا توافقات مدهشة بين أي شخصين، يقول عبد الوهاب، فإننا في حالة أينشتاين وبيكاسو نجد تشابهات غريبة وقابلة للتوثيق بين إبداعهما وحياتهما الشخصية والعملية، والتناظرات بينهما خلال فترة إبداعهما تظهر لنا أكثر مما تظهره النقاط المشتركة في تفكيرهما، وتتيح لنا أن نلمح طبيعة الإبداع الفني والعلمي وكيف تحقق البحث على الحدود المشتركة للفن والعلم، بينما يتساءل، وهو في سياق الكتابة عن نيتشه وسالومي: ما السر الذي جعل ثلاثة عباقرة، فرويد، ريلكه، نيتشه، يهيمون حبًّا بها؟ المرأة الروسية اليهودية التي كانت تخفي وراء جمالها ثقافة مبهرة، إنها سيدة قهرت عباقرة العالم، وانتهت حياتها عام 1937 نتيجة لفشل كلوي بعد أن تعدت السبعين عامًا، قدمت خلالها مثالًا للمرأة التي تقدس الحرية كقيمة تساوي الحياة. هنا أيضًا نقرأ عن علاقة هنري ميللر والروائية أناييس نين التي كانت تعيش حياة بوهيمية في باريس في الثلاثينيات إلى أن التقته وتعلقت به وعوضها عن الأب الغائب، وأصبحت أول رفيقة درب له لعدة سنوات، بينما قال عنها إنها من بين كل النساء اللواتي عرفهن في حياته كانت نادرة في جمالها وأنوثتها، بينما نقرأ عن شعر أونجاريتي أنه مضاد للحرب والتحيز والتسلط وتخلو كتاباته من الفاشية، رغم أنهم اتهموه بها، ويرفض الحرب تحت أي شعار، مثلما نقرأ عن معاناة نيتشه التي لازمته معظم فترات حياته، وقد كان وجهه وشكل عينيه سببًا للمشاكل خاصة مع النساء، وقد أصابه جنون نتيجة تفشي مرض الزهري لديه، ووصوله إلى خلايا الإدراك بالمخ، وظل يعاني طيلة عشر سنوات من الوحدة والجنون حتى توفي. نهاية وفي هذا الكتاب الممتع بحق الذي يحتوي على كم كبير من المعرفة الأدبية والثقافية أتوقف عند ما قاله ألبير كامو في كلمته أمام الأكاديمية السويدية التي منحته جائزة نوبل عام 1957: كل فنان يود أن يكون مشهورًا، وأنا أرغب في ذلك، لكن بالنسبة لي، لم يكن ممكنًا أن أتلقى قراركم دون أن أجري مقارنة بين أهميته وآثاره، وبين ما أنا عليه في حقيقة الأمر!

##نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

6501
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.