نشأة الرواية الإيرانية وتطورها
دَرَجَ المتخصِّصون فى دراسة الرواية الإيرانية على التأريخ لنشأتِها عَقِبَ قيامِ الثورةِ الدستوريةِ عام (1906 - 1908م)، التى تُعَدُّ مُنعَطفًا تاريخيًّا مُهِمًّا فى حياةِ الشعب الإيرانى، حيث أحدثت تحوُّلًا عظيمًا فى حياتِهم بعدَ قرونٍ من الاستبداد؛ وهى نِتاجٌ لجهودِ مجموعةٍ من المثقفين الذين اضطلعوا بنشر الوعى بين أفرادِ المجتمع الإيرانى. وقد أثمرت جهودُهم فى التعرُّف على الأفكار الجديدة، وتأسيس دار الفنون والمطابع، ونَشْر الأفكار التحرُّرية، كما أدَّتْ إلى بروزِ ملامح الدستور، الذى كان بارقةَ أملٍ للمجتمع الإيرانى، وبشَّرَت ببزوغِ عصرٍ جديدٍ فى التاريخ السياسى والاجتماعى للشعب الإيرانى.
وكانت الرواية التاريخية هى السبَّاقة فى الظهور من خلال كتابات (محمد باقر خسروى) وروايته (شمس وطغرا)، التى تَرصُد أحداثَ الحكم المغولى، وقد طُبِعَت عام 1908م، وكتابات الشيخ (موسى كبودر آهنگى) ورواية (عشق وسلطنت، أو فتوحات کورش کبير)، وقد استقى أحداثَها من كتابات المؤرِّخ الإغريقى هيرودوت، وطُبِعَت عام 1919م، و(عبد الحسين صنعتى كرمانى) ورواية (دام گستران)، التى نُشِرَت عام 1921م، و(الميرزا حسن خان بديع) ورواية (داستان باستان) ونُشِرَت عام 1921م.

ولقد أسهم فى ميلاد فن الرواية فى إيران عِدَّةُ عوامِلَ أهمها:
1- اتصال إيران بأوروبا، وبدء إرسال البعثات العلمية إليها، ونشاط حركة الترجمة إلى اللغة الفارسية من اللغات الأوروبية والتركية والعربية، حيث أسهمت روايات الفرنسى (ألكسندر دوما) والمصرى (جورجى زيدان) فى تعريف الإيرانيين بهذا الفن.
2- إنشاء المطابع فى إيران، وأثر ذلك على انتشار الكتب فى مختلف العلوم والفنون.
3- إنشاء المدارس على النمط الأوروبى الحديث.
4- نشأة الصحافة التى كان لها بالغ الأثر فى نشر الوعى الإيرانى.
ثم شهد عام 1945م طباعةَ عملٍ أدبىٍّ جعل من الضرورى إعادة النظر مرة أخرى فى دراسة تاريخ الرواية الإيرانية؛ وهذا العمل هو رواية (خواب نامه)/(كتاب الرؤيا) لمؤلِّفه (محمد حسن خان)، وهى الرواية التى بين أيدينا الآن. ومبعث تلك الضرورة يرجع إلى أن تاريخَ كتابة هذه الرواية يعود إلى عام 1896م، أى قبل التاريخ المتعارَف عليه لميلاد الرواية الإيرانية بأكثر من عَقدٍ من الزمان. ولعلَّ السؤالَ الذى يَطرَح نفسه الآن هو: لماذا ظلَّت هذه الروايةُ حبيسةَ الأدراجِ لأكثر من نصف قرن قبل أن تتمَّ طباعتها عام 1945م؟
والإجابة على هذا السؤال تكمن فى التعرُّف على مؤلِّفها، والعصر الذى عاش فيه، وحساسية موقعِه ومنصبِه فى البلاط الملكى آنذاك، والذى جعله يُخفى هذه الرواية عن الأنظار، ويموت دون أن يطبعها، رغم شَغله لمنصب وزير الطباعة والترجمة فى ذلك العصر.
لقد عاش كاتبنا (محمد حسن خان) فى العصر القاجارى الذى امتدَّ من عام 1785م حتى عام 1925م، وكان من المقرَّبين لدى الملك (ناصر الدين شاه) أحد حكَّام هذه الأسرة. وكانت إيران طَوال عصورها السابقة تحت حكم ملكيات مُطلَقة، حيث الملك على رأس النظام السياسى، وهو محور السياسة، سلطاته غير محدودة، كلمته هى العليا، ومشيئته قانون لا يُرَدُّ، وأقدار رعاياه بين يديه، بيده ثروات البلاد، يتصرَّف فيها كيفما شاء، فكان حُكمًا استبداديًّا شموليًّا، ولم يقبل ملوك القاجار بأن يشاركهم أحدٌ فى الحكم، على الرغم من قيام بعض ملوكهم بإنشاء مجالس استشارية ووزارات، إلا أنها كانت مجالسَ شكليةً ووزاراتٍ بلا حكم، وكان حكام الولايات من أفراد الأسرة القاجارية يحتفظون بهذه الولايات لأبنائهم من بعدهم.
وقد وُلِدَ (محمد حسن خان) فى السادس عشر من سبتمبر عام 1843م فى مدينة (طهران)، وكان لأسرته دور سياسى مهم ومناصب مرموقة منذ بداية العصر القاجارى؛ فوالده كان واحدًا من المعروفين بين رجال (مراغِه)، وهو أوَّل من لُقِّبَ بـ (ضياء الملك)، ثم بعد ذلك بـ (اعتماد السلطنة) فى بلاط (محمد شاه)، كما حصل على مراتبَ سياسيةٍ عُليا، كما صار حاكمًا لعِدَّةِ ولاياتٍ منها: خوزستان ولُرِستان، كما كان وزيرًا للعدل والأوقاف.
ثقافته وتحصيله للعلوم:
التحق (محمد حسن خان) فى عام 1852م بمدرسة دار الفنون فى أوَّلِ عامٍ لتأسيسها، وعمره حينذاك تسع سنوات، وتلقَّى فيها اللغة الفرنسية والعلوم العسكرية. وعندما أنهى دراسته بها حصل على ميدالية ذهبية، بالإضافة إلى بعض الأوسمة التقديرية، وتخرَّج برتبة ضابط، وصار من الملازمين لولى العهد (محمد قاسم ميرزا).
وفى عام 1865م عُيِّنَ مُلحقًا عسكريًّا لسفارة إيران فى باريس، وظلَّ فى هذا المنصبِ لمُدَّةِ عامين، وفى تلك الأثناء التحق بمدارس (لوى لو گران) لاستكمال تحصيله للعلم، ثم قضى مدَّةً أخرى بالقرب من البرنس (ميرزا ملكم خان)، تعلَّم خلالها اللغة الإنجليزية، وعاد إلى إيران بعد أربعة أعوام قضاها فى باريس كان خلالها دائمَ التحصيلِ وتلقِّى العلوم.
وقد أتقن (محمد حسن خان) عدَّةَ لغاتٍ منها الفرنسية والإنجليزية والتركية، كما كان على علم باللغة العربية التى اهتمَّ بتعلُّمها فى آخر سنوات عمره، وكذلك اطَّلع على العلوم المختلفة فى زمانه، كالتاريخ والجغرافيا والآداب والعلوم العسكرية والسياسية، بالإضافة إلى موهبة الترجمة والتأليف.
تصدُّره للمناصب:
كان (محمد حسن خان) من كِبار رجال الدولة فى عهد (ناصر الدين شاه)، وتولَّى العديد من المناصب والوظائف المهمة؛ ففى سن السادسة عشرة من عمره نال رتبة عقيد، وفى عام 1861م حصل على رئاسة جيوش عربستان وأيضًا صار نائبًا لحكومة لُرِستان، وتولَّى حكومة شوشتر.
وفى 1862م حصل على منصب كبير الياوران الميمون، ثم صار خادمًا ومترجِمًا خاصًّا لـ (ناصر الدين شاه). وفى عام 1871م تولَّى رئاسة الصحف اليومية للدولة، كما تأسَّس تحت رئاسته جريدتا (سالنامه) و(روزنامه علمى)، كما نشر أوَّل صحيفة مستقلة وكان اسمها صحيفة (إيران). وفى عام 1872م عُيِّنَ رئيسًا لكل دور الطباعة والترجمة والتأليف فى كافة ممالك إيران، كما انتُخِبَ لعضوية جمعية الجغرافيين بباريس. وفى عام 1881م أصبح رئيسًا لبلدية (طهران)، ثم بعد ذلك بعام انتُخِبَ لعضوية مجلس الشورى، كما انتُخِبَ لعضوية بعض الجمعيات فى آسيا وباريس ولندن.
وكان (محمد حسن خان) مساندًا للإصلاح ومعاونًا لِمَن يسعون إليه، وهو أوَّل من اقترح إيجاد كتاب نقدى مطبوع فى إيران، وكتب رسالةً لـ (ناصر الدين شاه) يوضح فيها ضرورة وجود فن النقد، وكذلك فرض تمويله كما فى الدول المتمدِّنة، كما كان من أوائل الكُتَّاب الذين مارسوا هذا الأسلوب النقدى فى بعض كتاباتهم، وذلك من خلال كتابه (منطق الوحش).
وقد حصل (محمد حسن خان) على أكثر من لقب فى بلاط (ناصر الدين شاه)؛ ففى عام 1872م لُقِّبَ بـ (صنيع الدولة)، وفى عام 1888م لُقِّبَ بـ (اعتماد السلطنة).
وكان من أشد المقرَّبين لـ (ناصر الدين شاه)، فعمل مترجمًا خاصًّا له، ومرافقًا له فى جميعِ أسفاره، سواء داخل المملكة أو خارجها. وظلَّ ملازمًا للملك لمدَّة خمسة وعشرين عامًا يقضى معه معظم ساعات يومه، يقرأ ويترجِم له الصحف الفرنسية والإنجليزية، ويوافيه بكافَّة الأحداث والأخبار فى العالم. وقد كتب اللورد (كرزون) السياسى الإنجليزى عنه قائلًا:
"إن مترجم الملك يُترجِم له أخبارَ الصحف اليومية الأوروبية، وهو مقرَّب جدًّا من الملك. كذلك كان يُترجِم له الكتبَ والمؤلَّفاتِ المختلفةَ من اللغات الأجنبية إلى اللغة الفارسية، وكان الملك يستشيره فى أمور المملكة، ويستمع إلى اقتراحاته بالنسبة لتغيير الأوضاع فى المملكة، رغم أنه لم يكن يعمل بهذه الاقتراحات؛ كما كان يعامله أحيانًا كصديق ويصطحبه معه إلى الغابات للصَّيْد".
وتُوُفِّىَ (محمد حسن خان) مُصَابًا بالسكتة القلبية عام 1896م، ودُفِنَ فى وادى السلام بالنجف الأشرف عن أربعة وخمسين عامًا.
بناء الرواية ولغتها:
يدور الخط الأساسى لرواية (كتاب الرؤيا) حول محاكمة متخيَّلة، قُضاتها ملوك إيران منذ التاريخ الأسطورى - وهو حقبة التاريخ ما قبل التدوين الرسمى؛ ذلك التدوين الذى بدأ فى إيران مع كورش سنة 550 ق. م. – ويَمثُل أمام هذه المحكمة كلُّ من تولَّى منصب الصدارة - أى رئاسة الوزارة - فى العصر القاجارى (1785 - 1925م)، وهو عصرٌ شديدُ الأهمية فى تاريخ إيران الحديث والمعاصر؛ ومبعثُ ذلك التحوُّلاتُ الشديدةُ التى شَهِدَها العالم فى تلك الحقبة، والتى تُرجِمَتْ فى شكل حروب وصراعات ومنازعات كثيرة فرضتها توازنات القوة والضعف التى شهدتها إيران ومرَّ بها العالم.
ويأتى بناء الرواية على شكل مقدمة روائية لاستعراض تكوين المحكمة، ثم أحد عشر مشهدًا روائيًّا متتابعًا – تُمَثِّل كلُّ محاكمةٍ مشهدًا – كما اعتمدت على راوٍ أساسىٍّ، عليمٍ بمجرياتها. ونظرًا لأن الكاتب قد تُوُفِّىَ وهو لَمَّا يَزَلْ يكتب روايته، فإن المشهد الحادى عشر ينتهى عند نهاية المحاكمة وقبل إصدار الحكم، وهذا ما حَرَصْتُ على الإبقاءِ عليه، تحرِّيًا للأمانة العلمية، ولعدم المِساس بالنصِّ الأصلى، وأشرتُ لذلك فى هامش أسفل الصفحة.
وعُنِىَ الكاتبُ باستخدامِ لغةٍ بليغة، تعكس ثقافتَه وقراءاتِه، ولهذا كنت حريصةً على المحافظة قدرَ المستطاع على رُوح هذا البناءِ اللُّغوىِّ؛ حيث يُعَدُّ نموذجًا للزمان الروائى، وأحدَ المكوِّنات الأساسية البنائية للعمل.
ولن يَخفَى على القارئ استشعارُ أصداءٍ لتأثُّر الكاتب فى هذا العمل بأعمالٍ فنيةٍ كبرى مثل: الإلياذة والأوديسة لـ (هوميروس)، والكوميديا الإلهية لـ (دانتى أليجييرى) - مع اختلاف البيئة والمُلابسات بالطبع - وليس ذلك التأثُّرُ بغريبٍ على شخصيةٍ قارئةٍ ومنفتحةٍ على لُغاتٍ عديدةٍ مثل (محمد حسن خان).
وبالإضافة للمكانة التاريخية الرائدة لـ (كتاب الرؤيا)، فإن أهميته أيضًا تكمن فى شخصِ مؤلِّفِه؛ حيث ساعدَه وجودُه داخل دائرة الحكم وصناعة القرار على استجلاء الكثير من الحقائق، والمشاركة فى صناعة الكثير من الأحداث التى تركت آثارها على خريطة بلاده، وعلى شبكة عَلاقاتها الخارجية، وكذلك تركيبة الطبقة الحاكمة فى إيران فى العصر القاجارى، الذى أظلَّ إيران لقرنٍ ونصفٍ من عمر الزمان؛ ولهذا ظلَّت الروايةُ حبيسةَ الأدراج كلَّ هذه السنوات.
ونظرًا لذِكْرِ المؤلِّفِ العديدَ من الوظائف داخل البلاط، وبعض الأشخاص، فلقد حَرَصْتُ على وضعها كما هى، مع توضيحها فى هامشٍ أسفل الصفحة، وكنتُ حريصةً على ألَّا أُكثِرَ منها حتى لا أُفسِدَ على القارئ متابعته للعمل، وجعلت تدخُّلى فى أضيق الحدود، وفى الكلمات التى يَصعب فهمُها أو استنتاج معناها وَفقًا لسياق العمل.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك