زهرة من فستان قديم: حين تكتب الذاكرة جسدها
كثيرا ما يشتبك السرد مع الذاكرة، وتمتزج كتابة الذات بأسئلة الهوية، خصوصا حينما يعيش الكاتب في عالم مأزوم متخم بالتحولات، هذا ما نجده في رواية «زهرة من فستان قديم» للكاتبة والفنانة التشكيلية ناهد تاج. هي رواية قصيرة نسبيًا من حيث الحجم، لكنها كثيفة من حيث الدلالة، وتُراهن على اللغة بوصفها ميدانا جماليًا قائمًا بذاته، وليس مجرد وسيط حكائي.
دلالة العنوان
يشكّل العنوان «زهرة من فستان قديم» عتبة نصية شديدة الكثافة، تختصر مشروع الرواية كله. فالزهرة، بما تحمله من دلالات الحياة والجمال والتفتح، لا تأتي من بستان أو حقل، بل من فستان قديم. فتنقل الدلالة من الطبيعة إلى الذاكرة، ومن الامتداد الحر إلى الحميمي الشخصي، والفستان هنا ليس مجرد زي نسائي، بل أثر زمني، وشاهد جسدي، أما الزهرة فهي ما تبقّى من الحياة داخل هذا الأثر، أو ما يمكن إنقاذه من خراب الزمن.
الاهداء

يمثل إهداء الرواية عتبة دلالية كاشفة تفتح النص على معناه العميق منذ السطر الأول. فحين تُهدي ناهد تاج عملها إلى «اللاتي أجبرتهن قسوة الحياة إلى المضي قدمًا بفساتين قديمة»، فإنها تشير إلى الفستان كأثرٍ زمنيّ وذاكرة جسدية وحمولة حياة كاملة. فالفستان القديم هنا يبدو رمزًا للفقد وحيزًا تنبثق منه الزهرة التي سيظل النص كله منشغلاً بتتبع أثرها.
الفستان كجسد بديل
يشغل الفستان موقعًا مركزيًا في الرواية، بوصفه رمزًا أنثويًا، وأيضا باعتباره جسدًا بديلًا. فالفستان يبتل بالعرق، ويحتفظ بالرائحة، ويتقادم، إنه امتداد مادي للجسد، يحمل آثار الحياة، من خلال هذا التحويل الرمزي، يصبح الفستان شخصية روائية صامتة، يتذكر حين تنسى المرأة، ولا يُروى عنه فقط، بل يُروى به، وكأن السرد يجد فيه وسيطًا للتعبير عن ما لا يُقال مباشرة، الفستان القديم، في هذا السياق، لا يدل على البلى فقط، بل على تراكم التجربة. قدمه هو مصدر قيمته، وليس نقيضها.
حين تصبح اللغة هي الحكاية
الخاصية الأسلوبية الأبرز في الرواية هي شاعرية اللغة، ناهد تمزج تاج السرد بالشعر، وتبني مشاهدها عبر الإيقاع الداخلي، والجمل القصيرة، والصور البلاغية المركبة، اللغة هنا تصنع الحكاية، فالزمن يتكسر داخل الجملة، والذاكرة تُعاد صياغتها عبر الصورة، والمعنى يتسرّب تدريجيا عبر الإلماح. بهذا التداخل بين الشعري والروائي، يصبح النص نفسه تجربة جمالية قائمة على التوتر بين الوضوح والغموض، كما أن هذه الشاعرية تعكس هشاشة الذاكرة، وتصدّع الهوية، واستحالة القبض الكامل على الذات. فيصبح القارئ شريكًا في إنتاج المعنى، مطالبًا بأن يملأ الفراغات التي يتركها النص عمدًا.
المرأة بوصفها مركز الرؤية
في قلب الرواية تقف المرأة، ليس بوصفها موضوعًا للحكي، بل ذاتًا راوية وبؤرة للرؤية، وتتجلى صورة المرأة عبر مستويات متعددة، الراوية، الأم، الابنة، المرأة كما يراها الآخر. هذه التعددية تمنح الشخصية عمقًا إنسانيًا، وتحررها من الاختزال. المرأة في النص ليست واحدة، بل مجموعة من الذوات المتجاورة والمتناقضة، وكل واحدة تضيف طبقة جديدة إلى سؤال الهوية. والأهم أن الرواية لا تمنح صوتًا واحدًا سلطة الهيمنة، بل تفتح المجال لتعدد الأصوات، بما يكسر مركزية الراوي العليم، ويمنح الشرعية للهامشي والمسكوت عنه، في وعي واضح بالتحولات الجمالية في السرد المعاصر.
الهوية وتعدد الأصوات
يعتمد النص على تعدد الأصوات بوصفه تقنية بنيوية، فكل صوت يحمل جزءًا من الحقيقة، ولا أحد يمتلكها كاملة. هذا التفكيك لسلطة الصوت الواحد يوازي تفكيك فكرة الهوية المتماسكة.
وفق هذا المنظور، تصبح الهوية فسيفساء، صوت الراوية يعكس القلق الوجودي، صوت الأم يستدعي الذاكرة الجمعية، صوت الرجل يقدم النظرة الخارجية التي تحاول احتواء المرأة داخل صورة جاهزة، لكنها تُفكك داخل السياق السردي، هذا التعدد يحيل إلى تصور حواري للهوية، حيث لا تتحدد الذات إلا عبر الحوار مع الآخر. المرأة هنا لا تتكلم في فراغ، بل في مواجهة أصوات متعددة: الماضي، المجتمع، الذاكرة، والرغبة. وتظهر الهوية في الرواية كمسار متوتر بين الماضي والمستقبل. الذاكرة تبدو كمادة خام يعاد تشكيلها باستمرار. والشخصيات لا تستعيد الماضي لتستقر فيه، بل لتفهم الحاضر وتستشرف القادم، بهذا المعنى، تصبح الذاكرة فعلًا إبداعيًا، لا استرجاعيًا فقط. إنها كتابة ثانية للحياة، ومحاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من الزوال.
الزمن المقلوب
اختيار الكاتبة أن تبدأ الرواية من لحظة مستقبلية قريبة (2027)، مع تغييب الأيام الأولى من العام، يحمل دلالات عميقة. إنه كسر لخطية الزمن، وإعلان مبكر عن أن الرواية لا تُعنى بالماضي وحده، بل بما لم يحدث بعد، يوحي تغييب البداية الكاملة بأن الزمن دائمًا ناقص، وأن كل بداية مشروخة. كما أن المستقبل هنا ليس وعدًا واضحًا، بل أفقًا ملتبسًا، تمامًا كما هي الهوية، السرد، بهذا المعنى، يصبح محاولة لملء الفراغات التي يتركها الزمن، لا للسيطرة عليه.
تحولات المجتمع
تحمل الرواية في طياتها سردًا خفيًا للتحولات المجتمعية والصراعات الطبقية والسياسية التي مرت بها مصر عبر عقود. يبدو هذا في مسار العائلة من البادية السيناوية إلى الحضر القاهري، وهو انتقال ليس جغرافيًا فحسب، بل هو تحول في الهوية والانتماء والعلاقات الاجتماعية. صورة "حمدان السيناوي" وهو يخلع العِمامة والمريرة ليرتدي القفطان والعباءة، لا تعبر فقط عن تغيير في المظهر، بل عن صراع بين التمسك بالتراث والتكيف مع المدينة، وبين البساطة البدوية وتعقيدات الحياة الحضرية التي تجلب معها علاقات قوة جديدة (الخدم، الأفندية، الهوانم).
كما أن الرواية تقدم الجسد والمرض النفسي كاستعارات لصدمات جماعية. معاناة "زهرة" من الرهاب (الخوف من اللون الوردي، الثعابين)، ثم علاجها في لندن، وصحة "صالحة" المضطربة وهلوساتها، ليست مجرد اضطرابات فردية. يمكن تفسيرها كتمثيل رمزي لـذاكرة عائلية مثقلة بالكبت والخوف والغموض.
كذلك الصدمات المتوارثة، ومنها فقدان الأب "مطاوع" في المناجم (أو في العمل الوطني السري)، غياب "صالح" الغامض واتهامه بالخيانة قبل أن تظهر بطولته، صدمة الزلزال المدمر، كلها أحداث اختزنها الجسد واللاوعي الجمعي، وتفجرت على شكل أعراض نفسية وجسدية عبر الأجيال. حتى القطة "بسبوسة" كانت شاهدا صامتا على العزلة، ، وحبلا وهميا يربط الشخصيات بواقع ملموس حين تغرق في ذاكرتها أو هلوساتها. اختفاؤها في النهاية مع "زهرة" يحمل دلالة على انقطاع ذلك الجسر الوحيد مع العالم البسيط والحميم.
أما الأبعاد الطبقية والجندرية التي تلمسها الرواية بخفة لكنها حاضرة بقوة. رفض "صالحة" لقب "ربة بيت" وصراعها مع زوجها لممارسة المحاماة، ثم إجبارها على التخلي عن حلمها هو نموذج لمعركة اجتماعية أوسع حول دور المرأة والتعليم والعمل في مجتمع تقليدي. كذلك، تعليم "زهرة" الأولية وتوقفها عن الدراسة لمساعدة الأسرة، مقابل استمرار الذكور في التعليم والعمل العام، يرسم صورة دقيقة للتفاوتات الجندرية والطبقية في حقبة زمنية معينة.
في المحصلة، فإن «زهرة من فستان قديم» تقدم تجربة أنثوية وإنسانية، تشتبك مع الذاكرة والهوية والزمن، وتصبح الزهرة التي تخرج من الفستان القديم استعارة كبرى لفعل الكتابة ذاته، كتابة تحاول أن تُنبت حياة جديدة من بقايا حيوات ذابلة.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك