من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

لماذا يفضل الإنسان المعاناة على الفهم ؟

القاهرة : " نقاش "
لماذا يفضل الإنسان المعاناة على الفهم ؟


‏يقول د. علي الوردي في كتابه"مهزلة العقل البشري": 

يتوهم الإنسان أن الوظيفة ستجعله سعيداً،ثم يتوهم أن الزواج سيجعله سعيداً،ثم يتوهم أن الأطفال سيجعلونه سعيداً، وسيظل يتوهم ويتوهم حتى يموت"

من ينتظر أمر معين حتى يشعر بالسعادة سيظل ينتظر طوال حياته، لذا كن سعيداً الان واستمتع بما لديك.

ليس التجديد الفكري زينةً لغوية ولا استعراضًا للمصطلحات الحديثة، بل هو انقلاب عميق في المقاييس الذهنية التي نحاكم بها الأشياء. 

فالعقل لا يتجدد حين يغيّر ألفاظه، بل حين يغيّر أدواته في الفهم والحكم.

والمجتمع لا يُشفى من مشكلاته، لأن المشكلات ليست مرضًا طارئًا، بل محرّك التاريخ. لولاها لركن الناس إلى السكون، وتجمدوا في موضعهم، ولما وُلد تطور ولا وعي.

المنطق الحديث يعلّمنا أن الوجود حركة لا تعرف الثبات، وأن كل شيء يسير في تطور حتمي لا يرحم المتقاعسين. ومن العبث أن يعتلي الواعظ منبره قبل أن يفهم نواميس هذا التطور، فيغرق الناس بمواعظ تصلح لعصرٍ مات ولم يعد.

فموكب التاريخ لا ينتظر أحدًا، ولا يعترف بالمقاييس الوهمية التي يصنعها فلاسفة الأبراج العاجية. 

من لا يساير الزمن، يسحقه السائرون، ثم يصرخ فلا يسمع صوته أحد.

والإنسان حين يدافع عن عقيدته يظن أنه ينصر الحق، بينما هو في الغالب لا يدافع إلا عن ميراث بيئته. ولو نشأ في أرضٍ أخرى، لاعتنق نقيضها باليقين نفسه، ثم أقسم أنه بلغ الحقيقة بعقله الحر.

ذلك لأن العقل البشري ليس صفحة بيضاء؛ إنه محاط بغلاف سميك من العادات والتقاليد، لا تنفذ إليه الأدلة إلا عبر ثقوب صنعتها البيئة. ومن لا يغادر بيئته، ولا يقرأ إلا ما يؤكد ما ورثه، لا يُنتظر منه حياد ولا إنصاف.

فالعقل ينمو داخل القالب الذي يصنعه المجتمع له. ومن الظلم أن نطالب إنسانًا لم يعرف غير البدائية أن يُنتج فلسفة معقدة أو علمًا عميقًا. فالفكر ابن شروطه، لا معجزة خارجة عن زمانها.

ولهذا أخطأ كثير من مؤرخينا حين حاكموا الماضي بعين الحاضر، فقاسوا أفعال الأمس بمقاييس اليوم، فعجزوا عن فهم التاريخ، ثم اتهموه بالغموض بدل أن يتهموا أدواتهم.

أما الدين، فليس خيرًا مطلقًا ولا شرًا مطلقًا. هو ثورة فكرية حين يولد على يد نبي، وهو أفيون حين تستولي عليه الطبقات المترفة.

 يبدأ صرخة تحرير، ثم يتحول أداة تخدير، إذا انفصل عن مقاصده الأولى.

ولا يستطيع الإنسان أن يستغل أخاه الإنسان بلا قناع أخلاقي. الحيوان يفترس علنًا، أما الإنسان فيفترس باسم الله، أو الحق، أو الفضيلة. وهنا تبلغ مهزلة العقل ذروتها... حين يُسخَّر الوعي لتبرير الظلم بدل فضحه.

وهكذا… ليست المشكلة في قلة العقول، بل في الأقفاص التي وُضعت فيها.

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

6552
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.