"تِرُكُّرَلْ" (المثنوي الشريف) للعلامة " تِرُوَلُّوَرْ" .. جسر يربط حضارة شبه القارة الهندية العريقة بالعقل العربي المستنير
تمر الأيام، وتنقضي السنون، يفنى أقوام ويأتي آخرون، يتغير الإنسان، ويتبدل المكان، وتقوم حضارات، وتندثر ثقافات، ولكن لا يختلف الجميع على أهمية الأخلاق والقيم والمبادئ في حياة الأمم والشعوب، وما لها من دور فاعل ومؤثر في إرساء دعائم الفكر وأسس الحضارات
من هنا كانت أهمية ترجمة"تِرُكُّرَلْ" (المثنوي الشريف) للعلامة " تِرُوَلُّوَرْ"،الذي يُعد بحق همزة وصل متينة، وجسرًا قويًا يربط بين حضارة شبه القارة الهندية العريقة، والعقل العربي المستنير؛ حيث يُعد هذا الكتاب من أهم الكتب الفلسفية التي تصطبغ بصبغة أخلاقية بصرف النظر عن التوجه الديني والعَقدي، وبصرف النظر عن الانتماءات الحزبية، أو الجغرافية، أو السياسية؛ فهو كتاب أخلاق ذو نزعة إنسانية عالمية.
يعود أصل الكتاب إلى اللغة التاميلية الهندية القديمة، وقد سطره الفيلسوف "ترولور" منذ ما يزيد على خمسة عشر قرنًا من الزمان، ولقد جاء الكتاب في ألف وثلاثمائة وثلاثين بيتا شعريًا، مقسمة على ثلاثة أبواب؛ الفضيلة، ويتحدث خلاله عن أهم الصفات والسمات والمناقب والمبادئ الإنسانية والاجتماعية التي يجب أن يتحلى بها الإنسان في كل زمان ومكان، مثل: العدل، والإنصاف، والرحمة، والبُعد عن الجشع والطمع، وتجنب الغيبة والنميمة. ثم الباب الثاني الذي يتناول موضوعات اجتماعية كثيرة وأمورًا أخلاقية خطيرة، مثل: دور التعليم في النهوض بالأمم والشعوب، والإعداد الجيد للجيش والاستعداد للحروب، وكذلك صفات الملوك ومناقبهم، ثم يأتي الباب الثالث الذي يتناول موضوع المحبة، وعلاقات الأصدقاء وكذلك علاقات الأزواج وما يشوبها من صعود وهبوط، وكيفية تعامل الزوج مع زوجته، وغير ذلك من معاملات ومعاهدات.
ومن الجدير بالذكر أنه على الرغم من قِدم هذا المؤلف الفلسفي الأخلاقي، فإنه لا يزال يمثل مَعِينًا ثريًا لا ينضب لكل الباحثين عن الأخلاق والمبادئ والفضيلة في ثوبها الإنساني العالمي، ومفهومها البشري الذي لا يخضع لقالب ديني، أو اجتماعي، أو سياسي بعينه دون الآخر.
ولقد أجاد الدكتور "بشير أحمد الجمالي" ترجمة هذا الكتاب؛ حيث جاءت في قالب شعري بديع ينقل معاني النص الأصلي دون خلل أو زلل، ودون نقص أو فقدان، كما حرص الدكتور "الجمالي" على ذكر النص الأصلي في لغته الأم مصحوبًا بترجمة صوتية، إلى جانب الترجمة العربية للنص، مما يجعل الأمر يسيرًا على مَنْ يعرف اللغة التاميلية، وعلى مَنْ لا يعرفها، حتى يتسنى للجميع الوقوف على مقاصد النص وغاياته وأهدافه، ومن ثم توصيل رسالته، وتعميم مبادئه، وأفكاره. وليس ذلك غريبًا على رجل أجاد اللسان العربي، وبرع في اللسان التاميلي؛ أن يُتحفنا بهذا التراث التاميلي لنتعرف من خلاله على روائع الأدب التاميلي الذي يجهله القارئ العربي تمامًا، فجزاه الله عنا كل خير.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك