من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

"أعراش الدم" : الغربة، التاريخ والأسطورة في رحلة الذات

د. حسين عبد البصير


في قلب الجزائر، حيث تتشابك أساطير القبيلة مع واقع الجفاف وسكون الصحراء الممتدة بلا نهاية، يولد فتى يحمل لعنة الغربة منذ ولادته، ابن مناضل غامض ارتبط اسمه بصدى حروب الماضي وأسرار لم تكتشف بعد. هذه هي نقطة الانطلاق في رواية الدكتور حسين علام بعنوان "أعراش الدم"، الصادرة عن دار صفصافة في القاهرة، التي تمثل نصًا معقدًا يجمع بين الرواية التاريخية والفانتازيا الوجودية، ويضع البحث عن الذات في قلب سرد متشابك بين التاريخ والجغرافيا والأسطورة.


الرواية تبدأ في قرية صغيرة نموذجية، حيث يسيطر وعي جماعي متجذر في القبيلة، وتصبح الأحداث الفردية انعكاسًا للمنظومة الكاملة. لا يمكن للفرد أن ينفصل عن محيطه الاجتماعي، كما لا يمكن لأي حدث أن يكون عابرًا بلا أثر. الجفاف والصحراء هنا ليسا مجرد خلفية جغرافية، بل رموز للضياع، للفراغ، وللانتظار المميت، بينما تشكل الخرافة والطقوس الشعبية طبقة ثانية من الوعي تمنح الرواية بعدًا أسطوريًا يمتد عبر الزمن، ويربط بين الماضي والحاضر.


الفتى، باعتباره وريثًا لماضٍ غامض ومعقد، ينطلق في رحلة لاكتشاف الحقيقة، لكنه سرعان ما يجد نفسه محاصرًا بين ظلال الماضي، أسرار والده، والصراع مع منظومة اجتماعية متجذرة. هنا، تتجلى الفلسفة الوجودية للرواية، التي تبحث في معنى الفرد وسط القوى الأكبر منه، وفي القدرة على صناعة معنى شخصي داخل منظومة اجتماعية صارمة.


الأسطورة والحقيقة تتشابك باستمرار في النص. الطقوس الغريبة، اللقاءات الفانتازية مع درويش القرية، المكتبة الغامضة للوالد، كلها أدوات توسع دائرة البحث عن المعنى، وتحول الرواية من مجرد سرد لأحداث التاريخ إلى تجربة رمزية متكاملة. الفصول نفسها تتقاطع مع دورة الطبيعة: خريف ممطر بالأسرار يحفر في ذاكرة الشخصيات، وصيف حارق بالحقيقة يفرض المواجهة النهائية. هذه الدورة تمنح الرواية إيقاعًا ميتافيزيقيًا، يجعل من كل فصل انعكاسًا للتغير النفسي والاجتماعي للشخصيات، ويبرز صراع الإنسان بين الغياب والحضور، بين الجذر والجغرافيا.



أحد أبرز عناصر الرواية هو الصراع بين الفرد والمنظومة، بين حرية البحث عن الذات والقيود التقليدية، بين الخيال والواقع، وبين الماضي الذي لم يرحل والحاضر الذي لا يهدأ. سقوط الضريح الأسطوري، وانقضاض شجرة الخروب، ليست مجرد أحداث درامية، بل رموز لإعادة بناء الوعي والتاريخ الشخصي. المكتبة التي خلفها الوالد تصبح فضاءً معرفيًا وروحيًا، حيث تتجمع خيوط الأسئلة المتأخرة عن العمر، الهوية، والمصير، لتمنح الفتى – وللقارئ معه – القدرة على تجاوز الظلال القديمة واستيعاب الحاضر بكل تناقضاته.


لغة حسين علام في الرواية حادة وجمالية في الوقت ذاته، تجمع بين السرد الواقعي والانسيابية الأسطورية، بين الوصف التفصيلي والرمزية العميقة، لتخلق تجربة قراءة تفرض على القارئ أن يكون مراقبًا وشاركًا في آن واحد. السرد متعدد الطبقات، يعكس تعددية الأصوات والزمن والمكان، ما يمنح الرواية ثراءً يوازي النصوص الكبرى في الأدب العالمي المعاصر.


تحليل الشخصيات في الرواية يضيف بعدًا فلسفيًا ونفسيًا. الفتى يمثل الإنسان الباحث عن ذاته وسط التناقضات، عن جذر متروك وغربة مستمرة، وعن معنى للحياة في عالم يمزج بين الخرافة والواقع. الوالد المناضل ليس مجرد شخصية ماضوية، بل رمز للتاريخ المعقد والمخفي، ومرآة للأسئلة المتأخرة عن المصير الشخصي والجماعي. درويش القرية شخصية أسطورية، تمثل الحكمة الشعبية، لكنها أيضًا صوت الغرابة والمجاز، الذي يربط الأحداث اليومية بالقوى الكونية والروحية.


الرواية تقدم تحليلًا رمزيًا للأماكن كأدوات لسرد التاريخ الشخصي والجماعي، وتحويل المكان إلى مساحة للتأمل في العلاقة بين الإنسان والمحيط. البعد الاجتماعي والسياسي في الرواية قوي: القبيلة، المنظومة، الصراع بين الفرد والمجتمع، التاريخ المشترك للجزائر كلها عناصر تحدد مسار الشخصيات وتصنع دينامية السرد. الرواية تظهر كيف تتحرك القوى التقليدية والسلطات الاجتماعية في الخلفية، وتأثيرها على الفرد في كل قرار وموقف، وكيف يمكن للغربة أن تتحول إلى وعي بالذات وبالمجتمع معًا.


"أعراش الدم" ليست مجرد رواية عن الجزائر أو تاريخها الممزق، بل نص عن الإنسان في مواجهة الغربة، عن الذاكرة التي لا تهدأ، وعن الأسطورة كأداة لفهم الذات والوجود. إنها محاولة لفهم كيف يمكن للفرد أن يصنع معنى داخل منظومة أكبر منه، وكيف يمكن للغربة أن تصبح وقودًا للوعي والفهم، لا مجرد ألم ممتد.

من هنا، يمكن القول إن الدكتور حسين علام يقدم في "أعراش الدم" رواية فكرية وجمالية في الوقت ذاته، تجمع بين التاريخ المحلي والخرافة والرمزية الفانتازية، لتعيد صياغة تجربة الفرد في مواجهة المجتمع والمصير. الرواية تثبت أن الأدب الجزائري، حين يلتقي بالوعي النقدي والأسطوري، قادر على إنتاج نصوص ذات أبعاد فلسفية وروحية عميقة، صادرة عن دار صفصافة في القاهرة، لتصل إلى القارئ العربي بطريقة موسعة وجريئة، وتفتح له آفاقًا جديدة لفهم التاريخ، الذات، والمصير.

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

6561
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.