الثمن الباهظ الذي دفعته البشرية جراء طموحات نابليون بونابرت
جولات تاريخية
من الاسكندر الأكبر ... إلي نابليون بونابرت
الاسكندر المقدوني في القرن الرابع قبل الميلاد، ونابليون بونابرت في النصف الثاني من القرن الثامن عشر والربع الأول من القرن التاسع عشر: اثنان من أكبر قادة التاريخ الذين ملأوا الدنيا وشغلوا الناس. وفي هذه السطور نتوقف عند عملين جديدين عنهما يؤكدان أن حضورهما في الوعي التاريخي ما زال قويا لم ينتقص منه مر السنين.
العمل الأول مقالة طويلة عنوانها "عندما التقى الاسكندر بثالستريس" When Alexander Met Thalestris بقلم إدرين مايور Adrienne Mayor الباحثة في الكلاسيات والتاريخ وفلسفة العلم والتكنولوﭼيا بجامعة ستانفورد الأمريكية. والمقالة منشورة في عدد يناير 2015 من مجلة "التاريخ اليوم" History Today وهي مجلة شهرية تصدر في لندن.
تقول المأثورات إن الاسكندر بعد أن هزم داريوس الثالث امبراطور الفرس قرر أن يمد حدود سلطانه وصولا إلي الهند. وفي عام 330 ق.م. شرع جيشه المكون من أكثر من ثلاثين ألف رجل يتقدم من أكتابنا (همدان بإيران) عابرا الصحراء نحو راﭼا (طهران). وصل الجيش إلي هاريكانيا الواقعة على الشاطئ الجنوبي لبحر الخزر. وهنا نصب الاسكندر خيامه قرب صخرة كبيرة، بجوار ينبوع ماء، على مبعدة خمسة عشر ميلا تقريبا من مدينة قديمة تدعى هيكا تومبسليوس. ومن قاعدته هذه انطلق الاسكندر يخضع عدة بلدات ويدخل في مناوشات مع قبائل متجولة تمكنت من أسر جواد الاسكندر (ويدعى بوسيفالوس) طالبة فدية في مقابل إطلاقه. وفي معسكره كان الاسكندر يلتقي بوفود جاءت من قريب ومن بعيد تريد أن تزجي آيات الولاء لفاتح العالم الجديد، بعد أن وضح أنه الجواد الرابح.
وفي هذا المعسكر استقبل الاسكندر زائرة غير عادية: إنها ثالستريس ملكة الأمازونات، مصحوبة بثلاثمائة من تابعاتها المحاربات على ظهور الجياد. والأمازونات أمة من النساء المحاربات يقول هيرودوت إنهن من إسقوذية (روسيا الآن) يتميزن بالقوة والمرونة، ويقال إنهن كن يستأصلن الثدي الأيمن كيلا يعوق استخدامهن للقوس والسهم. كان الغرض من زيارتها هو أن تحمل من الاسكندر ولدا! ولما لا، إن النسل الذي يعقبه محارب عظيم وملكة شجاعة خليق أن يأتي نسلا ممتازا يليق بوالديه. ويبدو أن الاسكندر قد استجاب لمطلبها، وأنها قضت في خيامه ثلاثة عشر يوما وليلة (بينما تزاوجت نساؤها مع رجاله) ثم رحلت إلي بلادها، وهي تحمل في بطنها جنينه.

أكانت هذه قصة حقيقية أم هي من نسج الخيال؟ هذا ما تبحثه إدرين مايور في بحثها التاريخي الشائق. إنها تسلط الضوء غلى كل تفاصيل القصة، طارحة أسئلة من نوع: هل ثمة أدلة – غير ما يقوله المؤرخون القدامى ورواة القصص – على أنها قصة حقيقية؟ لقد وردت القصة في كتابات ﭙلوتارك واسترابون وديودور الصقلي وكورتيوس وﭼوستين، مع اختلاف في بعض التفاصيل. من كانت ثالستريس؟ بأي لغة تفاهمت مع الاسكندر وهما من جنسين مختلفين؟ ما الطريق الذي سلكته في رحلتها الطويلة إليه؟ أكان من المحتمل أن يرحب الاسكندر بالصلة مع امرأة غير إغريقية (كان الأغريق ينظرون إلي الأجناس الأجنبية على أنها أدنى منهم ويدعونها "البرابرة") أم كان سيرفض عرضها؟ ما الذي حدث بعد رحيلها عن معسكره؟
وتقول القصة إن ثالستريس طرحت على الاسكندر الاقتراح التالي: إذا أثمر لقاؤهما أنثى فستأخذها هي لتربيها على طريقة الأمازونات. أما إذا جاء ولدا فستهبه للاسكندر كي يكون وريثا له. وقد وافق الاسكندر على هذا، وإن لم تذكر لنا المأثورات نوع الوليد.
تنتهي الباحثة إلي أن القصة، على الأرجح، ذات أساس تاريخي صادق. فمن المعروف أن الاسكندر كان يحلم بإقامة امبراطورية عالمية، وبوتقة انصهار، تتلاقى فيها الأجناس ( اقترن هو ذاته بابنة الملك الفارسي المهزوم داريوس، كما اقترن بروكسان وهي أميرة من إقليم باكتريا). كان يريد إدماج الثقافات من خلال علاقات التزاوج والمصاهرة وإنتاج أجيال جديدة متنوعة السلالة. وفي خطبة ألقاها على جنوده أعلن أنه تزوج أميرتين أجنبيتين راميا إلي "إلغاء كل تفرقة بين المنتصر والمهزوم". ونعلم أيضا أنه كان يشجع عشرات الآلاف من جنوده على الاقتران بنساء برابرة (أي غير أغارقة) خلال حملاته العسكرية الطويلة وفي مختلف الأقطار التي فتحها. بل إن هؤلاء الزوجات ونسلهن كن يسافرن مع جيشه أثناء انتقالاته. ومن المنطقي أن يكون قد نظر إلي ثالستريس – وهي امرأة جميلة ومحاربة أثبتت شجاعتها في القتال – على أنها أم مثالية لمن سوف يخلفه على العرش.
ومن الاسكندر ننتقل إلي شخصية أوروﭙية أخرى دوخت العالم وأثارت جدلا لم ينقطع حتى اليوم. إنها شخصية امبراطور فرنسا ناﭙليون ﭙوناﭙارت (1769-1821) التي صدر عنها في عام 2014 مجلد ضخم في 936 صفحة، بعناية الناشر آلن لين، وعنوان المجلد " ناﭙليون الأكبر" وهو من تأليف المؤرخ البريطاني أندرو روبرتس.
Roberts, Andrew: Napoleon the Great, Allen Lane, 2014
وللوهلة الأولى يثور السؤال: ما حاجتنا إلي كتاب جديد عن ناﭙليون وقد ازدحمت المكتبات بآلاف الكتب وملايين الفصول والمقالات عنه؟ والإجابة هي إنه قد توافرت مواد جديدة للباحثين تمكنهم من النظر إلي الموضوع بأعين جديدة ومن منظور جديد. فقد نشرت حديثا المراسلات الكاملة لناﭙليون (حوالي 33 ألف رسالة) في طبعة كاملة أمينة لا تحذف شيئا، وتخلو من أى تحريف. فمنذ كان في الرابعة عشرة حتى موته عن واحد وخمسين عاما كان ناﭙليون كاتب رسائل لا يكل، يكتب في المتوسط أكثر من خطابين في اليوم الواحد. ويؤمن روبرتس – مؤلف هذا الكتاب الجديد – بأن هذه المراسلات تقدم صورة جديدة لناﭙليون: أكثر إنسانية، وأدفأ قلبا، وأجدر بالتعاطف. لقد كانت فيه عناصر قوية من الرومانتيكية والشاعرية، وكان موهوبا في التعبير، فطنا. وفي غمرة ، حملاته العسكرية ومشاغله السياسية لم يكن يفوته أن يستفسر عن أحوال أسرته وأصدقائه وكان مهتما بروابطه العائلية. ويقول روبرتس إن هذه الخطابات "تميط اللثام عن الأفكار الحميمة لمفكر عميق، وصانع كلمات موهوب، لفت ذهنه انتباه جوته. إنها تكشف أسرار الزعامة لأكثر الشخصيات تشويقا بين من جلسوا على عرش أورﭙي منذ عصر الملكة إليزابيث الأولى" ملكة إنجلترا في القرن السادس عشر.
وإلي جانب ما سبق يورد روبرتس سببين آخرين لتأليف هذا الكتاب. السبب الأول هو أنه يريد أن يذكر عالمنا المعاصر بما يدين به لنابليون. إنه يعده رائدا لفكرة المجموعة الأورﭙية أو أوروبا المتحدة حيث مبادئ العدل والمساواة تتجاوز الحدود الجغرافية. وقد حقق ناﭙليون ذلك حين أنقذ الثورة الفرنسية من أعدائها ومن الجيوش الأورﭙية التي كانت تتربص بها. وقد دعم مبادئ تقلد الوظائف على أساس الجدارة والكفاءة، والمساواة أمام القانون، وحقوق الملكية، والتسامح الديني، والإدارة السليمة للميزانية. ويؤكد روبرتس أن نابليون لم يكن سفاحا من طراز هتلر أو ستالين، وأنه ظل يحظى بتقدير كثير من المفكرين والسياسيين حتى في منفاه بجزيرة سانت هيلانه أو في جزيرة إلبا.
والسبب الآخر هو أن ناﭙليون – في نظر روبرتس – قد تسبب، وهو ما لا يمكن إنكاره، في موت الآلاف أو تشويههم أو معاناتهم. ولكنه في كثير من حروبه لم يكن البادئ بالهجوم وإنما كان يدافع عن وطنه ضد هجوم أجنبي. لقد كانت الحروب تعلن عليه أكثر مما يعلن هو الحرب على أحد. ولم تكن غزواته تخلو من منافع. فالحملة الفرنسية على مصر – مع الإقرار بكل ما ارتكبته من جرائم – قد حملت معها المطبعة والجريدة وفريقا من العلماء وحلت رموز حجر رشيد وبذلك أسست – من الناحية الفعلية – علم المصريات.
ويضيف روبرتس اننا لا يجب أن نحكم على ناﭙليون أو غيره من القادة العسكريين بمقاييس حقوق الإنسان في عصرنا، وإنما بمقاييس عصره وظروفه. ولايجب أن ننسى أن عوامل خارجة عن إرادته كانت السبب فيما حاق به وببلاده من هزائم. فقد راحت أوبئة الطاعون والتيفوس، مثلا تغزو، جيوشه وقد عجز – إزاءالمساحات الجغرافية الشاسعة في غزوته لروسيا – عن توفير الطعام والماء النظيف لمئات الآلاف من جنوده، مما تسبب في موت الكثيرين منهم أو مرضهم.
ويقول ڤيكتور ديڤيد هانسون – الزميل بجامعة ستانفورد الأمريكية – في عرض له لكتابنا هذا: إن روبرتس – على انحيازه لناﭙليون – مؤرخ أمين لا يزيف الحقائق. فهو يثبت، بما لا يدع مجالا للشك، أنه مات، مثلا، بسرطان المعدة وليس – كما ادعى بعض أنصاره – لأن حراسه الإنجليز دسوا له سما بطيئا في منفاه بجزيرة سانت هيلانه. ولم تكن حملته على روسيا حماقة من جانبه، وإنما تدخلت فيها عوامل لم يكن من الممكن التنبؤ بها مثل حلول شتاء قارس البرودة – يفوق في برودته ما عهدته روسيا ذاتها – وتفشي التيفوس بين جنوده. ولولا ذلك لانتصر على الروس كما سبق له أن انتصر عليهم في معارك سابقة.
على أن ناقدا آخر كتب عن الكتاب، على صفحات مجلة "ذا نيو يوركر" الأمريكية (15 ديسمبر 2014) يرى أن روبرتس – في غمرة إعجابه بنابليون – قد غفر له كثيرا من الخطايا والأخطاء ما كان يجب أن تغتفر. فخلال المائة يوم التي تخللت فرار ناﭙليون من جزيرة إلبا وهزيمته في موقعة وترلو لقى مائة ألف جندي حتفهم، وهو ثمن باهظ تدفعه البشرية لقاء طموح رجل واحد وسعيه إلي المجد العسكري وخلود الذكر في التاريخ.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك