من الذاكرة الحيّة إلى الوعي النقدي
في زمن تتسارع فيه الحداثة على نحوٍ يهدد بطمس الذاكرة، ويُعاد فيه إنتاج الثقافة بوصفها سلعة سريعة الاستهلاك، يعود كتاب «الأدب الشعبي» للدكتورة أماني الجندي ليطرح سؤالًا جوهريًا: ماذا تبقى من صوت الناس العاديين؟ وكيف يمكن إنقاذ هذا الصوت من التحول إلى مجرد «فولكلور» منزوع الدلالة؟

لا يقدّم الكتاب نفسه بوصفه حنينًا إلى الماضي، ولا يتعامل مع الأدب الشعبي باعتباره بقايا زمنٍ انقضى، بل ينظر إليه كأحد أكثر أشكال التعبير الإنساني حيوية، وكسجلٍّ غير رسمي لحياة الجماعة، وهواجسها، ومخاوفها، وطرق مقاومتها اليومية للعالم. من هنا، يكتسب هذا الكتاب أهميته، ليس كعمل تعريفي فقط، بل كمحاولة واعية لإعادة الاعتبار إلى الأدب الشعبي بوصفه جزءًا من الوعي الثقافي الحي.
أدب بلا مؤلف
منذ البداية، تحسم الدكتورة أماني الجندي موقفها من الإشكالية التقليدية التي لاحقت الأدب الشعبي طويلًا: كونه أدبًا «مجهول المؤلف». فالكتاب يؤكد أن غياب الاسم الفردي لا يعني غياب الوعي، بل يعني حضور الذات الجمعية، حيث تتراكم الخبرات، وتُصقل الحكايات عبر أجيال، لتصبح نتاجًا مشتركًا يعكس روح الجماعة لا صوت الفرد، هكذا، لا تنظر المؤلفة إلى الأدب الشعبي بوصفه هامشًا على الأدب الرسمي، بل باعتباره نظامًا ثقافيًا موازيًا، له منطقه الجمالي الخاص، ووظائفه الاجتماعية والنفسية. فالأدب الشعبي لا يسعى إلى الإتقان الشكلي بقدر ما يسعى إلى التأثير، ولا يطمح إلى الخلود الورقي بقدر ما يراهن على التداول الشفهي، وعلى قدرته على التكيّف مع الزمن.
الحكاية الشعبية.
تحتل الحكاية الشعبية موقعًا مركزيًا في الكتاب، لا باعتبارها حكاية تُروى للتسلية، بل كأداة لفهم العالم. تكشف المؤلفة أن الحكايات الشعبية كانت – ولا تزال – وسيلة الجماعة لتفسير الظواهر الغامضة، ولمواجهة الخوف من الفقر، والموت، والظلم، والسلطة، في هذه الحكايات، لا يكون البطل بالضرورة قويًا أو نبيلًا، بل غالبًا ما يكون ذكيًا، مراوغًا، قادرًا على النجاة بالحيلة. وهي سمة تكشف الكثير عن رؤية المجتمع لنفسه، وعن إيمانه بأن النجاة لا تتحقق دائمًا بالقوة، بل بالدهاء والصبر. كما تبرز الحكاية الشعبية بوصفها مجالًا مرنًا، يتغير بتغير الرواة والسياقات، ما يجعلها مرآة دقيقة للتحولات الاجتماعية.
من السرد إلى الجسد
أحد أهم أبواب الكتاب وأكثرها ثراءً هو ذلك الذي يتناول فنون الفرجة الشعبية، حيث ينتقل الأدب الشعبي من الكلمة المنطوقة إلى الجسد المؤدي، ومن السرد إلى العرض. تتوقف المؤلفة عند أشكال متعددة مثل السامر، وصندوق الدنيا، والمحبظين، والأراجوز، وخيال الظل، مؤكدة أن هذه الفنون مثّلت شكلًا مبكرًا من المسرح الشعبي، ويتميز هذا التحليل أن فنون الفرجة لا تُقدَّم بوصفها مجرد عروض ترفيهية، بل بوصفها مساحة رمزية للنقد الاجتماعي. ففي هذه العروض، يُسمح بما لا يُسمح به في الواقع: السخرية من السلطة، والتلميح إلى الظلم، وكشف تناقضات المجتمع، ولكن عبر الضحك، والرمز، والتهكم. المقاومة بالسخرية
يمنح الكتاب شخصية الأراجوز مساحة تحليلية كبيرة، بوصفه أحد أكثر رموز الثقافة الشعبية قدرة على النفاذ إلى الوعي الجمعي. فالأراجوز، بملامحه الكاريكاتيرية وصوته الحاد، ليس مجرد دمية، ولكنه شخصية رمزية تُجسّد الإنسان البسيط، القادر على فضح الزيف الاجتماعي من خلال السخرية، فالعصا التي يحملها الأراجوز ليست أداة عنف، بل أداة تهكم، والضحك الذي يصنعه ليس بريئًا، بل مشحون بدلالات المقاومة. وفي هذا السياق، تكشف المؤلفة أن الضحك في الأدب الشعبي ليس نقيض الجدية، بل إحدى أدواتها، ووسيلة لتفكيك الخوف وإعادة توزيع القوة داخل المخيلة الجمعي.
وينطبق ذلك أيضًا على خيال الظل، الذي يتناوله الكتاب بوصفه فنًا مركبًا، يجمع بين النص والحركة والضوء، ويتيح مساحة واسعة للترميز. من خلال الإشارة إلى تراث ابن دانيال، يربط الكتاب بين هذا الفن الشعبي وبين تاريخ طويل من النقد السياسي غير المباشر، وخيال الظل هنا ليس مجرد لعبة ضوئية، بل خطاب ثقافي ذكي، يعرف كيف يمرر رسائله من دون أن يصطدم مباشرة بالسلطة. وهو ما يجعل هذا الفن شاهدًا على وعي شعبي مبكر بقيمة الرمز، وبخطورة المواجهة المباشرة.
الأسطورة والمعتقد الشعبي
لا يتجاهل الكتاب حضور العناصر الأسطورية في الأدب الشعبي، مثل الغول، والنداهة، والجن، وغيرها من الكائنات التي تسكن المخيلة الشعبية. وتتعامل المؤلفة مع هذه العناصر بوصفها تعبيرًا عن حاجة الإنسان لتفسير المجهول، ولمواجهة القلق الوجودي عبر الخيال، كما يتناول الكتاب التداخل بين الشعبي والديني، من خلال طقوس الاحتفال بالمواسم، وسير الأولياء، والحكايات المرتبطة بالمقدس. وفي هذا التداخل، يظهر الأدب الشعبي بوصفه مساحة وسطى، لا تفصل بين الإيمان والخيال، بل تمزجهما في نسيج ثقافي واحد.
أخيرا يتميّز كتاب «الأدب الشعبي» بلغة واضحة ومتوازنة، لا تغرق في المصطلحات الأكاديمية، ولا تسقط في التبسيط المخل. وهو يجمع بين التوثيق والتحليل، ويقدّم مادة ثرية تصلح للباحث، كما للقارئ العام المهتم بالثقافة، وربما يُؤخذ عليه ميله أحيانًا إلى الوصف المطوّل، على حساب التوسع النظري، لكن هذا الخيار يبدو مقصودًا، خاصة في ظل ندرة الكتب العربية التي تقدّم هذا الحقل بلغة ميسّرة دون إخلال بالقيمة العلمية.
لكن في النهاية، لا يكتفي كتاب «الأدب الشعبي» بتقديم خريطة لأنواع التراث الشعبي، بل يدعونا إلى إعادة النظر في علاقتنا بذاكرتنا الثقافية، ويذكّرنا بأن ما نعتبره «بسيطًا» أو «هامشيًا» هو في الحقيقة جوهر التجربة الإنسانية، وأن الأدب الشعبي لم يكن يومًا أدب الفقراء فقط، بل أدب البقاء،
إنه صوت الناس حين لم يكن لهم منبر، ومرآتهم حين لم يكن لهم تاريخ مكتوب. ولهذا، فإن قراءة هذا الكتاب ليست عودة إلى الوراء، بل خطوة ضرورية لفهم الحاضر، وربما لإنقاذ شيء من المستقبل.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك