«إيلينا تعرف»: رواية الجسد والمعرفة
د. حسين عبد البصير
رواية «إيلينا تعرف»، الصادرة عن دار العربي للنشر والتوزيع بالقاهرة، بترجمة نهى مصطفى، ومن تأليف الكاتبة الأرجنتينية كلاوديا بينيرو، ليست رواية عن المرض فحسب، ولا عن موتٍ غامض، ولا حتى عن أمومة مجروحة تبحث عن عزاء. إنها نص عن المعرفة حين تولد من الألم، وعن الجسد حين يتحول من عبء ثقيل إلى أداة مقاومة، وعن امرأة وحيدة تقف في مواجهة عالم يفضّل التفسيرات الجاهزة على الأسئلة المقلقة.
تنطلق الرواية من حدث يبدو بسيطًا في ظاهره: انتحار ريتا، الابنة. لكن هذا الحدث لا يُغلق الحكاية، بل يفتحها على اتساعها. الأم، إيلينا، لا تقبل الرواية السائدة، ولا تطمئن إلى التفسير السهل. ثمة شيء لا يستقيم في داخلها، إحساس غامض يتحول إلى يقين داخلي: ريتا لم تنتحر. ومن هذه القناعة تبدأ الرحلة، لا بوصفها تحقيقًا بوليسيًا، بل مسارًا إنسانيًا شاقًا، يتداخل فيه الجسد بالذاكرة، والشك بالإرادة.

إيلينا مصابة بمرض باركنسون، والمرض هنا ليس خلفية درامية أو عنصر تعاطف، بل بنية سردية قائمة بذاتها. الجسد المرتعش، الحركة المحدودة، الزمن الذي يُقاس بجرعات الدواء، كلها عناصر تصوغ إيقاع الرواية. القارئ لا يتابع الأحداث من الخارج، بل يُدفع إلى اختبار البطء، التردد، والخوف من الجمود القادم. كل خطوة تقوم بها إيلينا هي فعل إرادة، وكل حركة ناجحة هي انتصار مؤقت على جسد يخون صاحبه.
بهذا المعنى، يتحول المرض إلى لغة سردية. الزمن لا يسير على وتيرة واحدة، بل يتسارع ويتباطأ تبعًا لقدرة الجسد على الاستجابة. النص يتنفس كما يتنفس الجسد المريض: بحذر، بتقطّع، وبتركيز شديد على اللحظة. وهنا تكمن براعة الرواية، في أنها لا تصف الألم فقط، بل تجعله محسوسًا.

الأمومة في «إيلينا تعرف» بعيدة عن المثاليات. ليست أمومة رومانسية ولا خطابية، بل علاقة معقّدة تجمع بين الحب، الذنب، الإصرار، والخوف من الفقد النهائي. إيلينا لا تبحث عن تعزية، بل عن حقيقة. حبها لابنتها لا يتجلى في البكاء أو الاستسلام، بل في الإصرار على السؤال، حتى حين ينصحها الجميع بالتوقف، وحين يبدو الاستمرار عبثيًا أو قاسيًا على جسدها المنهك.
ومع تقدّم السرد، تتجاوز الرواية حدود الحكاية الفردية لتفتح أفقًا اجتماعيًا أوسع. موت ريتا لا يُقدَّم بوصفه قرارًا شخصيًا منعزلًا، بل نتيجة ضغوط خفية ومتراكمة: دينية، أخلاقية، وثقافية. المجتمع حاضر في النص بوصفه سلطة غير مرئية، تمارس تأثيرها من خلال الخطاب، والنصيحة، والحكم الأخلاقي. الرواية لا تُدين مباشرة، لكنها تطرح سؤالًا مزعجًا: إلى أي مدى تكون خيارات الأفراد حرة فعلًا، حين تُحاصرهم المنظومات الاجتماعية باسم الفضيلة أو الخوف أو الطاعة؟
في هذا السياق، تتحول الرواية إلى نقد اجتماعي هادئ، يخلو من الشعارات، ويعتمد على كشف الآليات بدل فضحها. المرأة، في هذا العالم، ليست دائمًا ضحية مباشرة، لكنها غالبًا محاصَرة بسقف غير مرئي من التوقعات والقيود. والانتحار، هنا، لا يُقرأ كفعل فردي خالص، بل كذروة لمسار طويل من الضغط والصمت.
اللغة تتسم بالدقة والاقتصاد، دون افتعال أو زخرفة. الجملة مشدودة، واعية بثقلها، وتعرف متى تتكلم ومتى تصمت. الترجمة العربية جاءت محافظة على هذا الإيقاع الداخلي، وعلى التوتر النفسي الذي يحكم النص، وهو ما يُحسب لها بوصفها ترجمة تحترم روح العمل لا حرفه فقط.
في جوهرها، تطرح «إيلينا تعرف» أسئلة وجودية لا تبحث عن إجابات نهائية: كيف يمكن للإنسان أن يحافظ على حريته الداخلية بينما ينهار جسده؟ هل الحقيقة خلاص، أم عبء إضافي؟ وما الذي تملكه امرأة وحيدة في مواجهة مؤسسة المجتمع سوى عنادها وإيمانها الداخلي؟
هذه الرواية ليست عن امرأة تمشي بصعوبة في مدينة باردة، بل عن إنسان يرفض أن يُختزل في ضعفه. إيلينا لا تنتصر بالمعنى التقليدي، لكنها لا تُهزم. لا تعرف كل شيء، لكنها تعرف ما يكفي لتواصل السير. وفي الأدب، كما في الحياة، أحيانًا تكون هذه المعرفة المحدودة هي الشكل الأصدق للحقيقة.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك