«الآن أعرفني» لماري سمير: رحلة صادقة إلى الذات
كتاب «الآن أعرفني» لماري سمير الصادر عن دار إشراقة للنشر والتوزيع بالقاهرة هو نصّ يُشبه الاعتراف الهادئ؛ لا يُقال دفعة واحدة، بل يتسلّل إلى القارئ سطرًا سطرًا، كما تتسلّل الحقيقة إلى الروح بعد زمنٍ طويل من الإنكار. هو كتاب لا يرفع صوته، لكنه يترك أثرًا عميقًا وباقيًا، لأن كلماته لا تُقال من موقع الواعظ أو المعلّم، بل من موقع الإنسان الذي عاش التجربة كاملة: جرّب، وتألم، وتعثّر، ثم توقّف أخيرًا ليُصغي إلى نفسه بصدق وشجاعة.
اللافت في هذا العمل أن الكاتبة لا تكتب عن “الأنا” بوصفها ذاتًا متعالية أو مكتملة، بل تقدّمها بوصفها ذاتًا هشّة، تتعلّم ببطء، وتخطئ كثيرًا، وتكتشف — غالبًا بعد خسارة ما — أن الفهم الحقيقي لا يأتي إلا عبر الألم. النصوص هنا لا تسير في خط سردي تقليدي، بل تتحرك كحالة شعورية مفتوحة؛ يدخل إليها كل قارئ من زاويته الخاصة، ويخرج منها بأسئلة تخصه وحده. وكأن ماري سمير لا تقول: هذه قصتي، بل تهمس: هذه مساحتك… فتّش فيها عمّا يشبهك.
يمتد الكتاب عبر مراحل العمر بوصفه رحلة وجودية كاملة:
الطفولة باعتبارها وعدًا أوليًا بالحلم والبراءة،
والمراهقة باعتبارها ارتباكًا حادًا وأسئلة بلا إجابات،
ثم النضج بوصفه مصالحة متأخرة مع الذات ومع الحياة.
وفي كل مرحلة، تضع الكاتبة يدها على الجرح الإنساني المشترك: الخوف من الفقد، البحث عن المعنى، الرغبة في السعادة، ثم الصدمة حين نكتشف أن الحياة لا تمنحنا ما نريده، بل ما نحتاجه كي نفهم وننضج.
لغة «الآن أعرفني» هي لغة مشاعر قبل أن تكون لغة أفكار. تبدو بسيطة وشفافة في ظاهرها، لكنها محمّلة بإيحاءات إنسانية عميقة. هناك سطور تشبه البكاء الصامت، وأخرى تشبه لحظة تنفّس طويلة بعد اختناق، ولا نجد شعارات جاهزة أو حكمًا نهائية أو وصفات سريعة للسعادة، بل مشاركة صادقة للتجربة الإنسانية كما هي: ناقصة، متقلّبة، ومليئة بالتناقضات.
ومن أجمل ما يطرحه الكتاب إصراره الهادئ على فكرة جوهرية مفادها أن السعادة ليست نهاية الطريق، بل لحظة وعي، وأن السلام الداخلي لا يأتي من تغيير العالم، بل من تغيير طريقة رؤيتنا له. في صمت الفجر، في التفاصيل الصغيرة، في الرضا البسيط… هناك فقط تبدأ الحياة الحقيقية، كما يلمّح النص دون ادّعاء أو مباشرة.
«الآن أعرفني» كتاب لكل من شعر يومًا أنه تأخّر عن نفسه،
لكل من عاش الألم دون أن يفهم سببه،
لكل من ظنّ أن الضياع فشل، ثم اكتشف أنه كان بداية جديدة.
إنه كتاب لا يُقرأ مرة واحدة، بل يُعاد إليه كلما احتجنا أن نتذكّر حقيقة بسيطة وعميقة في آنٍ واحد: أننا لم نكن بحاجة إلى أن نصبح شخصًا آخر، بل فقط أن نعرف أنفسنا… كما هي.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك