فنجان قهوة مع نيتشه، وفلسفته حول الأخلاق " 2 "
قبل أن تشرع في شرب قهوتك، ونكمل حديثنا من حيث انتهينا في المرة السابقة،
كتبتَ وأنت في عمر الرابعة عشرة:
«لقد وهبنا الله الموسيقى لكي تقودنا نحو الأشياء السامية… إنها تجمع كل الخصائص: يمكنها أن تبهجنا، وتسلّينا، وترقّق أقسى القلوب».
"نعم، كنتُ أعزف الموسيقى وأؤلّف مقطوعات موسيقية في طفولتي
كنت ومازلت أرى أن الحياة من دون موسيقى ستكون خطأً فادحًا، عزلةً ومنفى.
نحن نملك الفن لكي لا نموت من الحقيقة…"
فلنرجع إلى موضوعنا الآن، في كتابك ما وراء الخير والشر قلتَ:
«ما يُعدّ خيرًا لإنسان، قد يكون شرًا لآخر؛
ولا يجوز اختزال شروط الحياة المتعددة في قانون أخلاقي واحد.»
بما يعني أن الأخلاق المطلقة تفضي إلى إنسانٍ نموذجيٍّ واحد، ثم تُحاسَب البشرية كلّها على أساسه، وكأن البشر متماثلون، لا اختلاف بينهم في القوة، ولا في الرغبات، ولا في الطبائع، ولا في الظروف.
ألا ترى ظلمًا في هذا الطرح؟
"الحق أقول لك إن ظاهر الأمر عدالة، لكن
دعيني أفسّر شيئًا.
أولًا، لماذا رفضتُ الأخلاق المطلقة، تلك التي تتمثّل في كل منظومة تدّعي أن هناك خيرًا واحدًا صحيحًا للجميع، بغضّ النظر عن اختلاف الناس في القوة والرغائب والطبائع والظروف
ثم تأتي هذه القيم لتقف في وجه المبدع، والقوي، والمختلف، والمتفوّق، فتُجرّمه، وتمجّد التشابه والتساوي.
بهذه الطريقة نكون جميعًا متساوين… لكن على حساب الارتقاء.
إنها تمنع النمو، وتُدين القوة لصالح الضعف، وتُبقي العاديّين في الصدارة."
إذن ترى أن الأخلاق ليست محايدة؟
"بكل تأكيد، لا أرى الأخلاق محايدة، بل أراها منحازة ضد فئة الأقوياء والمتميّزين.
كل أخلاق هي نتيجة صراع ما، في ظروف ما، لكنها تأتي لاحقًا وتقدّم نفسها باعتبارها حقيقة أزلية.
وهنا يتجلّى صدق فكرتي عمّا سمّيته أخلاق القطيع.
أنا لا أهاجم القطيع لكونه قطيعًا، ولا أهاجم القيمة في ذاتها، بل أهاجم تعميمها.
قيمة «لا تقتل» ليست المشكلة،
أما «لا تقتل أبدًا»… فهنا تبدأ الكارثة.
حين تتحوّل القيمة إلى قاعدة كونية غير قابلة للتفكير، لا تخضع للسياق، ولا تعترف بالاختلاف، ولا تسمح للفرد بأن يختبرها بنفسه.
في كتابي ما وراء الخير والشر قلتُ إن أحكام القيمة ليست حقائق، بل تفسيرات.
وفي جينيالوجيا الأخلاق أكّدتُ:
نحن لا ننكر القيم الأخلاقية، بل ننكر أصلها المزعوم.
والآن تفهمين الجملة التي استوقفتك سابقًا في غسق الأوثان:
«كل أخلاق تقول للغريزة: لا — هي أخلاق منحطّة»."
نعم، السياق هو الذي يمنح القيمة معناها في لحظة ما، لا القيمة هي التي تحكم الإنسان من علٍ.
إذن دعني أطرح عليك قلقي من الفوضى: حين تسقط القيم في مرحلة ما، ما الضامن ألّا تأكلنا الفوضى؟
"انظري يا صديقتي،
الفوضى هي الصدمة التي لا بدّ منها، كي يُجبر كل إنسان على أن يُقيم قيمه بنفسه.
«الإنسان هو الحيوان الذي يُقيّم».
أنا أخاطب من يستطيع أن يكون إنسانًا.
هل تظنين أنني حين فكّرت في مشروعي هذا رأيتُ عالمًا مثاليًا؟
الحقيقة أنني حاولت فقط أن أفتح الباب…
لمن يستطيع أن يخلق قيمة."
من يستحق، في تصوّرك، أن يخلق القيم؟
هل كل إنسان مؤهّل لذلك؟
ماذا عن الضعيف، الجبان، الحاقد؟ كيف يخلق قيمه؟
سيخرج البعض صارخًا في وجهك: أيّ خطر هذا؟
"سأجيبك:
الأرواح الحرة نادرة، وهي دائمًا استثناء. إنني أخاطب الأرواح الحرة.
الأخلاق وُجدت لتحمي الكثيرين من ثقل الحرية، وستظل موجودة، لكن لا بدّ أن تخلقها هذه الفئة النادرة.
أنا لا أكتب للجميع.
أنا أكتب لمن يمكنه أن يتحمّل ما أقول."
لم أرك تهاجم المسيح إطلاقًا أو الإيمان. ألا يقف الإيمان والإله عائقًا أمام فكرتك هذه؟
"أبدًا يا صديقتي، لم أهاجم الإله أو المؤمنين، ولم أهاجم المسيح كشخص إطلاقًا.
أنا أهاجم البنية الأخلاقية القائمة على فكرة الإله.
على العكس، أنا أنكر الملحد الذي جعل مكان الإله فارغًا ليستولي عليه بكل صفاقة، ويضع قيمه هو."
نعم، أفهم تمامًا ما تطمح إليه، وأشعر بمعاناتك وأنت تنظر حولك فلا تري سبيلًا، غير أن نعرف أنفسنا لنتمكن من العيش ونكتشف أي شيء آخر مهما كان الثمن، فإن معرفة أنفسنا هي السبيل الوحيد.
أتمنى، مع فنجان القهوة القادم، أن تحدّثني عمّا بعد الفوضى.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك