من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

الدراما التاريخية التركية.... بين التأليف والتأريخ.

بقلم :ا.م.د./دينا محمد عبدربه أستاذ اللغة التركية وآدابها المساعد ورئيس قسم اللغة التركية وآدابها _ كلية الدراسات الإنسانية جامعة الأزهر
الدراما التاريخية التركية.... بين التأليف والتأريخ.

 

شهدت الدراما التاريخية التركية في العقدين الأخيرين انتشارًا واسعًا على المستويين المحلي والعالمي، وأصبحت أداة ثقافية مؤثرة في تشكيل الوعي التاريخي لدى الجمهور، ليس فقط داخل تركيا، بل في العالمين العربي والإسلامي أيضًا. وقد أثار هذا الانتشار جدلًا أكاديميًا وثقافيًا حول العلاقة بين العمل الدرامي بوصفه فعلًا إبداعيًا والتاريخ بوصفه علمًا توثيقيًا، وهو ما يطرح إشكالية التوازن بين التأليف الدرامي والالتزام بالتأريخ.

إن مجال الدراما التاريخية يستلزم في المقام الأول وجود الفكرة الثرية فضلا عن القدرات الأولية للكتابة مثل الحبكة الفنية والدراما التخيلية واللغة الخالصة .

وإذا ما أمعنا النظر في موقف الأديب والمؤرخ في تناول المادة التاريخية فإننا نجد تباينا ملحوظا فالكاتب لعمل تاريخي يراه صنف أدبي وليس تأريخا ومن الممكن للكاتب الدرامي لمحتوى تاريخي أن يضعف الرابط بينه وبين التاريخ حيث يلجأ إلى الإهتمام بالوصف والجمال في التاريخ وهدفه هو الإتجاه نحو المستقبل وفهم الحاضر الذي يعيشه وفي هذه النقطة نجد التشابه بين المؤلف الدرامي لعمل تاريخي والمؤرخ ولكن المؤرخ وظيفته هي بذل كل جهد سعيا وراء الحقيقة وليس التذرع بالزخارف الخطابية .

على العكس من المؤلف الدرامي الذي لا تكون مهمته هي تسجيل ماحدث في التاريخ كما حدث فتلك هي مهمة المؤرخ أما مهمة المؤلف الدرامي هي خلق إطار درامي لتلك الحقبة من التاريخ نرى فيها عالما جديدا تقع فيه الأحداث وتتصرف فيه الشخصيات الدرامية ليس بالصورة التاريخية بسجلات التاريخ بل بمقتضى الصورة العامة التى تخيلها المؤلف وفق معرفته بحياة ذلك العصر .


_ الدراما التاريخية بوصفها خطابًا فنيًا


الدراما التاريخية ليست إعادة إنتاج حرفية للأحداث، بل هي خطاب فني يعتمد على التخييل، وبناء الشخصيات، وتصعيد الصراع الدرامي. فكاتب السيناريو لا يعمل كمؤرخ، بل كفنان يوظف التاريخ مادة خامًا لبناء حبكة درامية جذابة.

ومن هنا، فإن كثيرًا من الأعمال التركية – مثل قيامة أرطغرل، المؤسس عثمان، أعادت تشكيل الشخصيات التاريخية وفق متطلبات السرد الدرامي، من حيث إبراز البعد البطولي، أو الإنساني، أو العاطفي، حتى وإن أدى ذلك أحيانًا إلى تبسيط الوقائع أو إعادة ترتيبها زمنيًا.


_ التأليف والتأريخ:


كما ذكرنا مسبقا إن الخلط بين الحقيقة التاريخية والخيال الدرامي من أبرز الإشكالات التي تواجه الدراما التاريخية التركية. فبينما تستند هذه الأعمال إلى مصادر تاريخية معروفة، فإنها غالبًا ما تضيف أحداثًا وشخصيات لم ترد في السجلات التاريخية، بهدف ملء الفراغات الزمنية أو تعميق الصراع.

وهنا يظهر الفرق الجوهري بين التأريخ الذي يلتزم بالوثيقة والمصدر، والتأليف الذي يسمح لنفسه بالتحرك في المساحات الدرامية دون الرجوع لمصدر تاريخي.

من الجدير بالذكر ، إنه على المتلقى والمشاهد للدراما التاريخية توخي الحذر في الأخذ عن الدراما التاريخية حيث الجمهور العريض الذي يتعامل معها أحيانًا بوصفها مصدرًا موثوقًا للمعرفة التاريخية. ومع غياب الخلفية الأكاديمية لدى المشاهد، قد تتحول الرواية الدرامية إلى “حقيقة تاريخية” راسخة في الوعي الجمعي.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى دور تكاملي بين الدراما والمؤسسات التعليمية والثقافية، ولكن تظل الدراما التاريخية التركية نتاجًا فنيًا يجمع بين الإبداع والتاريخ، ويقف في منطقة وسطى بين التأليف والتأريخ.

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

6601
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.