من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

ظل أبي...

مي حسام أبو صير
ظل أبي...

 كانت تلك المرة الأولى التي تركتني أعود فيها بمفردي من المدرسة، أخبرتني حينها أني كبرتُ، ولابد أن أعتمد على نفسي، وكانت هي البداية...

ظللتُ طوال اليوم أرتعد كلما تذكرت أني سأسير وحدي في ذلك الطريق الذي طالما أرهبني بمبانيه الضخمة وأرصفته المرتفعة، كلما مررت به معك ممسكةً بأمان يدك.

مضى الوقت ببطءٍ حتى رنّ الجرس، معلنًا نهاية اليوم وبداية المشوار، دون أي ادعاءٍ مني بالشجاعة.

وبدأتُ طريقي بمفردي...

كانت الحقيبة ثقيلة، ثقيلة جدًا يا أبي، ومع ذلك لم أشكُ، سأتحملها حتى أصل، فلن يسمع شكواي أحد، ولم يهتم لحملها أيًا من المارة؛ فأنت وحدك أبي.

أشعة الشمس تتآمر عليّ، تغتال أفكاري، وتحرق عينيّ كسياطٍ تتتابع جلداتها على وجهي، فرت دموعي هاربةً رغمًا عني، لكنها تجمّدت حين لامست برودة الجو من حولي.

كلّ الوجوه تعرف أني بمفردي، نظراتها نحوي مخيفة... كيف شعروا بخوفي؟!

الطريق طويل، طويلٌ ولا ينتهي يا أبي.

قدماي تؤلماني وما زلت في البداية، قلبي يخفق بإجهادٍ مع كل خطوةٍ مثقلة، الجميع يجري من حولي، يسبقني، السيارات، المارة، الدراجات، وحتى غبار الطريق ورماله.

وأخيرًا... رأيتُ ظلك يقترب بابتسامةٍ حانيةٍ تزيح عني غدر الشمس ووحشة الطريق، تسارعت قدماي إليك تطلبان الأمان، فتحتَ ذراعيك لترحب بجسدي الصغير، فوجد قلبي ملاذه بالقرب منك، ذابت دموعي على صدرك؛ فابتسمتَ دون أن تزيل آثارها من وجهي.

ثم تركتني لأُكمل وحدي الطريق... وكان ذلك ذكرى الحضن الأخير، يا أبي.

فعندما وصلتُ إلى المنزل، وجدت الكل يتدثّر بالسواد من برودة المكان، والأمطار السوداء تغسل الوجوه نحيبها بعد الفراق.

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

6634
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.