سيميائية المكان في المجموعة القصصية سيمفونية المدن المرئية للكاتبة رغد السهيل
والسيميائية هي دراسة كيف يصبح المكان نصا أو نظاما من العلامات يحمل معاني و دلالات أعمق من مجرد إطاره الجغرافي كشفا عن أبعاد نفسية و اجتماعية و ثقافية يعكسها استخدامه في الأدب أو الحياة اليومية مثل الرمزية الدينية في مكان شرقي أو دلالات القهر في بعض المدن إنها تحليل لكيفية تشكيل الأماكن سواء مغلقة أو مفتوحة لوعي الإنسان و ذاكرته
الهدف من دراسة السيميائية:
1 – تحليل النص الأدبي لكشف أفكار الكاتب الخفية و عمق الشخصيات.
2 – فهم الواقع و كيف تشكل الأماكن علاقتنا و تؤثر على وعينا و حياتنا.
3 – تفكيك الرموز و فهم كيفية تحول الأماكن إلى عناصر رمزية في السرد و الواقع .
يتصدى الفضاء المكاني للموضوعات المشتغل عليها في المجموعة القصصية سيمفونية المدن المرئية سواء السردية أو الفكرية في القصة القصيرة, فمطالعة سريعة لعناوين القصص القصيرة في تلك المجموعة والتي تكونت من أربع حركات سيمفونية و هي:
الحركة السيمفونية الأولى بعنوان (بهجة الروح) و تضم ثلاث قصص قصيرة و هي
1 – الدانوب الأخضر
2 – لوليتا في أمستردام
3 – زهرة البلقان
أما الحركة السيمفونية الثانية بعنوان (شموس ساطعة ) و تضم ثلاث قصص قصيرة و هي:
1 – إسطنبول و الدر المنثور
2 – شقراء البتراء
3 – شمس بغداد
و الحركة السيمفونية الثالثة بعنوان (براءة )و تضم ثلاث قصص قصيرة و هي:
1 – ملح الكويت
2 – ثور ميلانو
3 – العصفور الترانزيت
و الحركة السيمفونية الرابعة و الأخيرة بعنوان (عيون الجحيم ) و تضم ثلاث قصص قصيرة و هي:
1 – بركان نابولي
2 – وجه سيراليون
3 – سوناتا مسرح الأولمبياد
نكتشف مقدار ما تكتنزه من كم متين من الفضاءات المكانية ومن بينها مدن ( بودابست- أمستردام- صوفيا- إسطنبول- البتراء- بغداد- الكويت- ميلانو- نابولي- سيراليون- نيويورك) لقد حظي المكان في تلك المجموعة بالنصيب الأوفر و الأكثر حضورا في المجموعة القصصية , و الذي أبدعت الكاتبة رغد السهيل في توظيفه سرديا بطرق عدة, فتارة تستمد من مفردات المدينة المادة الخام التي تبني منها عوالمها التخيلية, و تارة تتخذها مسرحا للأحداث و الوقائع , وتارة تتخذ من المدينة نفسها موضوعا للتأريخ التخييلي فتعمل للحظة فارقة من تاريخها فتنتج مرآة عاكسة لمشاعر الشخصية و أحداثها, و تعرض المجموعة القصصية للحظة تمثل منعطفا لكل مدينة تمتد إلى جذورها و ماضيها العريق, و قد استطاعت الكاتبة رغد السهيل أن تستدعي الثقافات المميزة لكل مدينة و التي تشكلت من امتزاجات الثقافات المتعاقبة على كل مدينة ذكرت في المجموعة القصصية سيمفونية المدن و التي تعايشت و تآلفت في نسيج إنساني واحد , و تلتقط الكاتبة بكاميرا السرد مشاهد تظل عالقة في الذاكرة الثقافية شاهدة على تلك الإبداعات, و هنا يكرث السرد نفسه ليصبح ذاكرة حافظة لتاريخ كل مدينة من مدن المجموعة القصصية, و بالتالي تصبح العناصر السردية في المجموعة القصصية هي الخزائن الخازنة لمعطيات اللحظة الراهنة لتلك المدن المذكورة و التي سنحاول أن نطلع على ما تحتويه من صور ثقافية محفوظة بداخلها خلال تحليلنا للمجموعة القصصية سيمفونية المدن المرئية عبر منهجية السرديات الثقافية في إطار تصور تسير ملامحه على النحو التالي:
أولا العنوان: سيمفونية المدن المرئية
يتجاوز العنوان الوظيفة الجمالية بالإشارة إلى الوظيفة الثقافية التي تضئ الأنساق الثقافية الكامنة تحت سطح البنية السردية, فحضور الدال الأخر نصيا في العنوان يستدعي الدال الأول الغائب نصيا عن العنوان, و إذا كانت الموسيقى الممثلة في السيمفونية تمثل الدال الآخر المكاني فإن المكان ذاته يمثل الدال الأول و الأنا الثقافية و المكانية على السواء, و المرجع هنا إلى زاوية الرؤيا التي ستحدد إحدى الرؤيتين, فقد نجح العنوان بوصفه العتبة النصية الأولى للمجموعة القصصية أن يختصر فلسفتها و يلقي أشعة من الضوء على مستويات التجربة المعرفية و الروحية التي سيمر بها السارد أو الراوي العليم خلال ارتحاله من الفضاء المكاني الفيزيقي إلى الفضاء الثقافي, و من النظرة المحلية إلى الرؤية الإنسانية, و من الوعي المنغلق على الأنا إلى الوعي المنفتح على الآخر.
ثانيا :الحدث السردي و التجربة المعرفية للذات:
ترصد المجموعة القصصية سيمفونية المدن المرئية مجموعة من العناصر و الأحداث داخل المدن المذكورة سلفا, و ترتبط تلك الأحداث المفصلية الداخلية التخييلية في حيوات الشخصيات بالتمثلات السردية في تحولات حادثة بكل فضاء من فضاءات المدن المذكورة فتذكر الكاتبة في قصة لوليتا في أمستردام حكاية الفتاة لوليتا العربية الأصل التي تعرضت للإعتصاب على يد والدها لتأخذ جواز سفرها و تفر هاربة إلى مدينة أمستردام عاصمة هولندا و التي وصفتها الكاتبة بأن شوارعها تتزين بالدراجات التي تحمل باقات الورود و يملؤها صوت الضحك في كل مكان لتعمل بالعديد من الوظائف و أخرها مرشدة سياحية نهارا و فتاة تعرض نفسها عارية خلف زجاج مكان للبغاء ليلا
و تذكر أيضا في قصة شقراء البتراء حكاية السائحة النيوزيلندية مارغريت و التي سمعت كثيرا عن جمال تربة وادي القمر في مدينة البتراء الأردنية والذي وصفه العلماء بأنه بقعة مستلة من كوكب المريخ نظرا لاحمرار تربته فقررت أن تزورها هي وصديقتها إليزابيث لينتهي بها الحال إلى قصة حب تجمعها بالبدوي الأردني محمد فيعرض عليها الزواج و ترد عليه بالقبول ليتزوجا و تتقاسم معه يومه و دينه و هويته العربية و تنجب منه أولاد مزيج من ملامحها وملامحه و يموت ويتركها تكمل مسيرته في الحياة و تكتب مؤلفها الأول أحببت بدويا .
ثالثا المنظور السردي بوصفه تمثيلا لوعي الكاتبة رغد السهيل:
اعتمدت الكاتبة في مجموعتها على صوت السارد , و السارد هو صوت واحد و قد تحققت من خلاله انزياح باقي الأصوات التي كانت تعبر عنها الكاتبة في حيادية ويمكن التعرف على هوية السارد الأصلية الثقافية التي تمثل الأنا من خلال ما ذكرته الكاتبة في المجموعة القصصية من حقائق و معلومات واقعية مثل أماكن أو معلومات أو أحداث, و يلاحظ في المجموعة القصصية أن تجربة السارد هي تجربة في جوهرها هي تجربة معرفية روحية لأن السارد في المجموعة وق معرفي شديد التفلسف صبغ التجارب حتى الحسية في قالب معرفي يضفيه إلى رصيد تجربته المعرفية و الروحية التي يمر بها, فالجانب المعرفي هو الركيزة الأساسية في تواصل السارد مع الآخر , فالآخر بالنسبة له هو طريقه لاستكمال معرفته بالعالم, و يتجلى ذلك في المونولوج الداخلي الذي يكشف طبيعة رؤية السارد لكل مكان تناولته الكاتبة على مدار المجموعة , و تكتمل تجربة السارد على خلفية سلسلة من الأحداث الخارجية كإشارة في نهاية السياق السردي إلى اكتمال التجربة التي صيغت من خلال تواصله مع الآخر, فالسرد في المجموعة القصصية سيمفونية المدن المرئية يمارس دورا وظيفيا يتجاوز مجرد السرد الخطي المتعاقب للأحداث , فتقدم الحركة السردية التي تبني الأحداث يتم بالتوازي معها بناء التجربة المعرفية و الروحية للسارد.
رابعا الزمكانية في سيمفونية المدن المرئية:
المكان في المجموعة القصصية هو استعارة مزدوجة و هو الجسر الواصل بين الانا و الآخر على امتداد الأزمان لأنه يمثل وجهتي النظر المختلفتين أو وجهة النظر المغايرة, فتعد سيمفونية المدن المرئية إضافة إلى سياق الأعمال الإبداعية التي رصدت علاقة الأنا بالآخر حيث قدمت صورة ثقافية لمدن عدة في لحظة فارقة و رصدت أثر التغيرات و التحولات على الفضاء السردي, و استطاعت الكاتبة أن توثق تلك اللحظة بكاميرا السرد بعين فنان وقلب عاشق للمدينة, فجعلت من المدينة بنية ثقافية و من السرد ذاكرة حية.
واستخدام الكاتبة للمكان لم يكن لتقدمه بوصفه خلفية لأحداثها و لكنها استطاعت بشكل أو بآخر أن تقدم المكان بوصفه كائن حي يعيش و يتحول إلى بطل من أبطال مجموعتها القصصية و لم تكتفي أن يكون المكان مجرد خلفية أو ما يسمى في النقد الروائي بالفضاء السردي, ولكنها قدمته برؤية حدثية مختلفة , جعلت المكان يتجلى في مجموعتها بوصفه ساحة لصراع الهوية تشكلت فيه هوية شخصيات ثانوية والتي تمثلت في المارة في الشوارع و الباعة الجائلين و مريدي المقاهي و غيرهم الكثير و الكثير من المهمشين ممن ذكرتهم الكاتبة و خصصت لهم حيزا في فضاءها السردي و استطاعت أن تحملهم مجموعة من الحمولات الدلالية التي ربطت المكان بالوعي و الإدراك, لذلك نجد أن المكان لديها جاء قويا أحيانا وهشا أحيانا أخرى, و قد قدمت الكاتبة البيوت و دور العبادة بما تحمله من دلالة الانغلاق, و الشوارع و الأزقة التي ارتبطت بضيق الحال و الخوف من الفقر و الجوع, وجعلت المكان بحرفة أداة لتأطير الإطار النفسي لشخصياتها, لذلك أقول أن رغد السهيل أكسبت المكان معاني ودلالات تفوق أبعاد المكان التقليدية و استطاعت أن تحمل من خلاله مجموعة من الرموز الدلالية التي أثرت عملها وجعلته يخرج خارج الإطار المحدود إلى إطار ثقافي يشكل الوعي و الإدراك و يلقي بظلاله على الأبعاد النفسية للشخصيات , و قد استطاعت رغد السهيل التعبير عن التفاصيل الدقيقة والخاصة لتلك الأماكن و تلك الشخصيات, و يبدو جليا تقديم وتناول تلك التفاصيل من خلال وصفها الدقيق للروائح كرائحة البن التي تملأ الشارع المجاور للمقهى و كذلك الأصوات و الصيحات للمارة و رواد المقاهي و تعابير الوجه لبعض الشخصيات و رجال الدين في الكنيسة و المسجد, و تلك هي الخلطة العبقرية التي قدمتها الكاتبة و جعلت تلك التفاصيل مغناطيسا يجذب القارئ ليصير جزءا من كل قصة, و قد تجلت جماليات المكان في المجموعة القصصية سيمفونية المدن المرئية متجاوزة وصف الفضاء إلى تقديمه بوصفه بنية ثقافية منتجة للخطاب, و تظهر العلاقة بين المكان و الخطاب واضحة جلية إذ ينتج المكان و يحدد الخطاب و الخطاب يعيد تشكيل هذا المكان , و قد قدمت رغد السهيل المكان ببساطة شديدة و بوصفه حافظة لأثار سكان ذلك المكان بالتفاصيل الدقيقة التي وقفت عليها الكاتبة و قد شكلت التعددية جمالية عبر فضاء يسوده العديد من المشاعر و الأحداث و أبرزت العديد من التفاصيل المميزة لكل مكان عن طريق شخصياته مثل دقة وصفها للملابس و الألوان الأمر الذي جعل المكان حيا نابضا بقدر يفوق حدوده الجغرافية والهندسية .
بشكل عام يمكننا القول أن المجموعة القصصية سيمفونية المدن المرئية تقوم على ركائز ثلاث:
الأولى : أن المكان جاء بوصه ذاكرة ثقافية و تمثل ذلك في تنوع المدن في المجموعة كما ذكرنا
الثانية : أن المكان جاء بوصفة ميدانا للصراع بين الأنا و الآخر و تمثل ذلك في الصراع بين الشخصيات
الثالثة : أن المكان جاء بوصفه بنية جمالية قائمة على التفاصيل الحسية و التصوير المشهدي البارع و الرموز المكانية الدقيقة .
خامسا توظيف الضوء في سيمفونية المدن المرئية:
لعب الضوء و الظل داخل المجموعة دورا رمزيا في توثيق حالة التوتر العاطفي عند أبطال المجموعة, فعندما يشعر بطل من الأبطال بحالة من الانغلاق و الاندثار تأتي الأضواء خافتة والسماء مليئة بالغيوم, و عندما يأتي بطل آخر منفتح على الحياة تأتي الأضواء مشرقة و أشعة الشمس تملأ الكون و ألوان الزهور تنعكس على مياه النهر و البحر, لقد انشغلت تجربة رغد السهيل السردية بتشريح الفضاء المكاني بوصفه بنية ثقافية تعاد صياغتها عبر الذاكرة الجمعية و الخيال الشعبي و تحولات الوعي الاجتماعي فالمكان لديها فاعلا سرديا يمتلك قدرة على إنتاج الدلالة و يتحول بدوره إلى بطل آخر في النصوص يشكل الشخصيات و يحرك الأحداث وفق مسار يفرضه المكان بإيقاعه وجماله.
سادسا توظيف الخطاب في سيمفونية المدن المرئية :
لقد اعتمدت الكاتبة على الخطاب في العديد من القصص في مجموعتها القصصية شهدت المجموعة القصصية تحولا ملحوظا من الخطاب الواقعي إلى الخطاب متعدد المستويات جمع بين الرؤية الاجتماعية و التاريخية و الفنتازيا أحيانا و تجلى ذلك في البناء السردي الذي يحتفي بالتنوع الثقافي الذي منح نصوصها طابعا ثقافيا يتجاوز حدود الحكاية إلى رمزية للمكان و الإنسان معا و كان لتفاعل جماليات المكان مع تحولات الخطاب داخل المجموعة أثرا إيجابيا كبيرا فالمقهى يتحول إلى فضاء للتعددية و الشارع يكتسب عبورا ملحميا بوصفه منطقة احتكاك بين الذاكرة الفردية و الذاكرة الجماعية, هكذا صاغت الكاتبة شبكة دلالية تجعل من المكان مركزا لإنتاج المعنى ومن الخطاب أداة للكشف عن التصدعات العميقة ي بنية المدن المذكورة.
ويمكننا القول أن المجموعة القصصية سيمفونية المدن المرئية تقدم مشروعا سرديا متماسكا يقدم المكان بوصفه بنية ثقافية متحولة و تتعامل مع الخطاب بوصفه مرآة لتحولات الوعي الاجتماعي و هو ما يعطي العمل قيمة فنية كبيرة و يجعلها نموذجا مهما للدراسات التي تتقاطع فيها جماليات السرد مع النقد الثقافي و تحولات الخطاب السردي .
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك