من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

باب الحديد.. بوَّابة حياة!

مصطفى جوهر
باب الحديد.. بوَّابة حياة!


يمثِّل المخرِج (يوسف شاهين) - وبعضُ مجايليه - العِمادَ الذي قام عليه تيار السينما الواقعية المصرية والعربية، فإذا انتبهنا لمجموعة الأفلام التي أخرجها (توفيق صالح) و(صلاح أبو سيف) نستطيع رصْد سينما مغايرة لسابقتها، التي اعتمدت على الممثل (الجان) أو المطرب ذائع الصيت، ليدخل بنا هذا الجمع النابه منطقة المهمَّشين بعُمق لافت، وبرؤية جديدة، وزوايا كاميرا تؤكِّد على القيمة الفنية بالتوازي مع قيمة الطَّرح.

وقد استطاع المخرِج (يوسف شاهين) أن يخلق لنفسه زاوية لا يزاحمه فيها أحد، ليقف في منطقة تجتذب الضوء، حيث جدَل الاختلاف الدائم حول ما يقدِّمه، ولم يسلم من التصنيف الذي حجَّم جمهوره، ليجعله مخرِجًا نُخبويًّا، يقدِّم أعمالاً تخاطب عقلية المُشاهِد المثقَّف، ذلك الذي يخفي ارتباكه أحيانًا، ويجافي الموضوعية أحيانًا أخرى، لكي لا يُتَّهم بالسطحية، فيُقبِل على سينما (يوسف شاهين) من باب الوجاهة الثقافية، وكلاهما – المتناحرَين على سينما (يوسف شاهين) – لا ينتبه إلى أنه حاول أن يقدِّم الخلطة الفنية ولكن بمذاقه هو، بمذاق واعٍ، مُحب للجمال، يسعى إلى ترسيخه، حتى من خلال فضح القُبح.

وهو ما جعله وجعل أفلامه – دائمًا – عُرضة للمنْع والحجْب، رغم أنها تلقى الترحيب في العالَم الحُرّ، ورغم تأخُّر تكريمه؛ إلا أن إصراره لم يخُنْه، ولم يفِلّْ عزيمتَه ائتمارُ الظلاميين الذين تربَّصوا بفنِّه وبه.

ورغم أن فيلم (باب الحديد) ليس الفيلم الأوَّل في مسيرة المخرج السينمائي المصري العالمي (يوسف شاهين)؛ إلاَّ أنه يمثِّل نقلة مهمَّة في مسيرة أعمال المخرج الراحل، وهو ما جعله ضمن كلاسيكيات السينما المصرية بل والعربية وبجدارة، ولعلَّ الارتباك الذي ما زال يتلبَّس المُشاهِد - إلى يومنا هذا - عند مشاهدة أفلام (يوسف شاهين)، وخاصةً فيلم باب الحديد، يرجع إلى كون الفيلم متجاوزًا لجميع التِّيَم السينمائية التي تزامنت ووقت عرضه، إنه فيلم الحالة، تلك البقعة التي لم تعتدها ثقافة المُشاهِد المصري والعربي، أن يُلقي فيلم بالضوء على أبعاد نفسية، متشابكة مع أبعاد اجتماعية ساهمت في تصعيد الحالة، هو ما جعل الفيلم أشبه بالشِّفرة (code) التي تحتاج إلى حَلٍّ.

ابتكر المخرج (يوسف شاهين) هذا الفيلم، وأقول ابتكر؛ فلم يكن مقتبَسًا أو مأخوذًا عن عمل أدبي، كما كانت طبيعة المرحلة التي شهدت ظروف إنتاجه وعرضه، حيث خمسينيات القرن المنصرِم، بل إنه شارك في الأداء التمثيلي بدور البطولة، لعِلمه أن الفيلم يغوص في منطقة نفسية قد يصعب توصيلها لممثل آخَر، وبالتالي تفقِد كثيرًا من بريقها الذي في مخيّلته؛ فهذا الشاب الصعيدي الذي نزح بصورة أو بأخرى إلى العاصمة، وتعلَّق ببوابتها دخولاً وخروجًا، حيث صارت محطة السكة الحديد (باب الحديد) هي محل سكنه وعمله معًا، وهو الفضاء المكاني الأنسب لرصد حالات إنسانية نغفلها في زحمة الحياة، وعجلة الحركة، وهو التوازي الذي استفاد منه (يوسف شاهين) في اعتبار محطة السكة الحديد مسرحًا للأحداث؛ كلنا عابرٌ في هذه الدنيا، بين قادمٍ ومرتحل، لا ننتبه لمَن يمُرُّون بجوارنا، وقلَّما ننتبه إلى من يجاورنا في الرحلة، وهي بيئة رغم قِدمها في مصر لم تشغل - بهذا العُمق - عقول السينمائيين، هذا المكان الذي يعجُّ بالمسافرين، والشغَّالة، بل وهذا الوحش الحديدي الذي يحمل آلاف الحالات، ويجثم بثقله على صراط حديدي، كان الساحة المصغَّرة للحياة، وقد أدار (يوسف شاهين) الحركة فيها بعينَي صقر، تلتقط وتسجِّل، ترصد وتطلِق للمتابع الجيد العنان لتضفير الخيوط وتجميعها.

وقد وضَع المخرِج على هامش الفيلم ظاهريًا - في مقابل شخصية (قناوي) المُعاق، قليل الكلام، الذي يُثأثئ إذا تكلَّم - الفتاةَ التي تنتظر حبيبها، والتي ظلَّت صامتةً طيلة الفيلم، وكانت نقلات الكاميرا ترصد صبْرَها، إلى أن يأتي الحبيب المنتظَر، لكنها لم تستطع حتى أن تنظر في عينيه، فقد أخذته حياته منها، وهو بالضبط حال (قناوي) المُتيَّم بـ (هنّومة)، لكنها ترتِّب حياتها دونما الالتفات إليه، فهو لا يمثِّل لها شيئًا، وليس له دور يُذكَر في حياتها القادمة. لم ينتبه للفتاة سوى (قناوي)، وكأنه يؤكِّد على تقارُب نفسيَّة الشخصيَّتَين؛ (هنّومة) الطموحة، التي تشغلها حياة المستقبل عن المُتيَّم بها (قناوي)، تتوازى - على الجانب الآخر - مع العاشق المنتظَر، الذي غاب في أهله، وكأنهم حين أحاطوا به، دوَّامة تأخذه من كل ما قد يسحبه بعيدًا عن نَسَقِها، لتبتلعه في ترتيبها الخاص لمستقبله.

لم يكتفِ المخرج يوسف شاهين بالقصّة المحورية بين (قناوي) و(هنّومة)، بل تطرَّق إلى صراعات بشرية تمثِّل فئات أخرى لها نفْس المطامع ونفْس المكابدات، فالمعركة التي خاضها حمَّالو المحطة بقيادة (فريد شوقي)؛ معركة الحياة، بين القوي الذي يريد الاستيلاء على كل شيء، والقبض على أرزاق الآخرين، لا يقبل أن ينازعه في ذلك أحد، والجديد في هذا الطَّرح: أن المخرِج (يوسف شاهين) قدَّم الحلَّ الذي يناسب طبيعة المجتمع المدني الحُرّ، فكان الصراع على أشُدِّه لكن بصيغة تسمو على عراك الغوغاء، إن اللجوء إلى فكرة النقابة، والحصول من خلال المؤسسات على الحقوق المنهوبة، كان توجُّهًا عالميًا، لعل عالمنا الثالث يعاني حتى وقتنا هذا من عدم تفعيله، وهو ما يشير بوضوح إلى وعي الفنان في تناوله وطرْحه، وهو البريق السابق لمرحلته، والمبشِّر بما هو آتٍ، وإن كان (يوسف شاهين) ليس وحده، ولا أوَّل المنحازين إلى المهمَّشين في تيار السينما الواقعية، إلا أنه بطرْحه هذا استطاع أن يلقي الضوء على منهجية الحلول، وبخطوة استباقية، نحو فكرة المؤسسات ودورها في فك الاشتباك بين عناصرها.

لم يكن صانع القصائد السينمائية المغايرة يلهو، ولم تكن طلاسمه - كما يحلو للبعض تسمية أعماله - مجرد فوازير للتسلية، لقد خلق حالة سينمائية خالصة وخاصة، تنكأ جراحًا مصرية، وإنسانية، حتى وإن جمحت به النرجسية ليرى في ذاته محورًا، باعتباره الوحدة الصغرى التي تختزل أمّة، بالضبط كما كان (باب الحديد) فضاءًا يختزل حياة.

وقد شارك الفيلم في مهرجان برلين السينمائي الثامن، كما تم اختياره من قِبَل مصر للتنافس على جائزة الأوسكار لأفضل فيلم بلُغة أجنبية ولكنه لم يترشح، ويُعد أول فيلم عربي وإفريقي يطرح للتأهل لجائزة الأوسكار، تم تصنيفه في المركز الرابع ضمن أفضل 100 فيلم في تاريخ السينما المصرية في استفتاء النقاد. ويُعد فيلم باب الحديد أحد أهم الأفلام العربية على الإطلاق. تم اختيار الفيلم في قائمة أهم 1000 فيلم في تاريخ السينما العالمية.

الفيلم من إنتاج عام 1958

قصة وسيناريو: عبد الحي أديب

حوار: محمد أبو يوسف

مونتاج: كمال أبو العلا

موسيقى تصويرية: فؤاد الظاهري

مدير التصوير: ألفيزي أورفانيللي

إخراج يوسف شاهين

بطولة:

يوسف شاهين، فريد شوقي، هند رستم وحسن البارودي

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

6708
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.