فنجان قهوة مع نيتشه وفلسفة الأخلاق " 3 "
حينما قرأتُ كتابك العظيم هكذا تكلّم زرادشت منذ سنوات، شعرتُ كمن لامس عقله لأول مرة، وقد كنتُ كتلةً من العواطف المتشابكة المعقّدة. وبهذا الكتاب وحده استطعتُ أن أفكّك هذه العواطف من بعضها، لأرى كل واحدةٍ منهنّ بمفردها، أراها جيدًا وأتأمّلها بعيدًا عن إخوتها، وهكذا أَدّعي أنني بدأتُ أفهم نفسي شيئًا فشيئًا.
وبينما كنتُ أتأمّل إنسانك الأعلى وأطمح إليه، وأحاول أن أتّخذ سُبُل الوصول إليه كما أراها أحيانًا، لا كما تراها أنت طوال الوقت، إعمالًا بفلسفتك عن الأخلاق أيضًا، كنتُ أتساءل: هل تُعوِّض بإنسانك الأعلى غياب الإله؟
عدتُ قائلة: لا، أبدًا. فأنت في بداية الكتاب قلت: مات الإله، قتله البشر، ويا لها من جملة تعبّر عن الخذلان؛ خذلان الإله في عباده، حينما جعلوا منه مجرّد وسيلة لرغائبهم.
هلا حدّثتني عن خروجك من الفوضى، إلى قتل الإله، إلى ذلك الإنسان الأعلى؟
«لقد مات الإله! لقد قتلناه نحن! كيف نُعزّي أنفسنا، نحن قتلة القتلة؟
أقدس ما كان في العالم وأقواه نزف حتى الموت تحت سكاكيننا…
من يمسح هذا الدم عنّا؟ بأي ماء نُطهِّر أنفسنا؟»
هكذا، يا صديقتي، قلتُ في كتاب العلم المرح. وهو الخذلان وإفراغ الإله من معناه الحقيقي. لم أكن أنتصر للإلحاد، بل كنتُ أُصوِّر ذنبًا لا يُغتفر قام به البشر في حق الإله. ولم يكن من سبيل سوى تجاوز الإنسان كمرحلة من مراحل المعرفة. في هكذا تكلّم زرادشت أقول:
«الميتافيزيقا لا تكفي بعد الآن.
الإنسان شيء يجب تجاوزه.
ما فعلتم لتتجاوزوه؟»
وهكذا هو الإنسان:
«الإنسان حبلٌ مشدود بين الحيوان والإنسان الأعلى — حبل فوق هاوية.»
أعرف أن الإنسان الأعلى مخاطرة وجودية، ولكن انظري: إننا فوق هاوية الفوضى، وماذا يمكن أن يحدث؟ المجازفة شيء لا بدّ منه.
الإنسان الأعلى ليس بديلًا عن الإله، إنه المرحلة الناضجة من الإنسان:
«إني أعلّمكم الإنسان الأعلى.
الإنسان شيء ينبغي تجاوزه.
لا تجعلوا منه صنمًا جديدًا.»
هكذا قلتها بوضوح: لا تجعلوا منه إلهًا جديدًا. إنني رأيت فيه الأمل الوحيد للخلاص. إنه ذلك المبدع الذي من دونه لا يكون للحياة معنى، من يقول للحياة نعم بكل تناقضها:
«أريد أن أتعلم أكثر فأكثر أن أرى الضرورة في الأشياء جميلة… هذا هو حبّي لقدري.»
لا يلعن الألم، بل يضمّه إلى المعنى.
الإنسان الأعلى، باختصار شديد، هو من يستطيع تحمّل الحقيقة بلا عزاء ميتافيزيقي.
في هكذا تكلّم زرادشت قلتَ على لسان زرادشت:
«أأنت ذاهب إلى النساء؟ لا تنسَ السوط.»
ولا أستطيع أن أنسى أنني امرأة، وأسأل نفسي: هل كانت المرأة خارج فكرة الإنسان الأعلى؟ هل كانت قناعًا كأقنعتك الفلسفية الساخرة؟ أم أن لقصة جرحك الكبير من حبيبتك سالومي، التي تنكّرت لك، أثرها على هذه المنطقة من تفكيرك، حيث لم تستطع أن تجد عزاءك في شيء إلا أن تضع المرأة في هذه المنزلة الوضيعة؟
لا ألومك فيما ذهبتَ إليه، فربما فيه شيء من الصواب. صحيح أن جملتي كانت ساخرة، لكنها أيضًا لا تخلو من انتقام ما، من غصّة بعيدة في مكان مظلم أشعرها ولا يمكنني أن أراها. لا أدّعي بأنني فصلتُ بين تجربتي الشخصية وبين ما كتبته عن المرأة، ولكن المرأة في ذلك الوقت لم تكن هي المرأة التي ترينها أنتِ الآن. فإن سخريتي كانت من نموذج اجتماعي للمرأة، لا من المرأة بوصفها قادرة على الخلق والتجاوز والإبداع.
الإنسان الأعلى نمط وجود، فكرة لا تنتمي إلى جنس بل إلى قدرة. ومع ذلك، ربما في حديثي عن المرأة جانب من أمراضي، ولن أدّعي أنه حديث خالص من دافع نفسي.
أظن نعم، إلى جانب ما ذكرته عن المرأة ومكانتها آنذاك، لكن الأمر لا يخلو من أثر تجربتك الشخصية، وهذا طبيعي جدًا، بل ربما يجعلني ألمس صدقك في كل كلمة، فأنت تعيش كما تفكّر وتكتب.
الأسئلة أصبحت ثقيلة الآن، وأنا أسأل نفسي: كم فكرة أو حكم يدخل فيه جرح قديم من الماضي، جعلني لا أرى الأشياء على حقيقتها؟
ربما يفتح هذا بابًا لحديث قادم بيننا، مع فنجان آخر يعطي للحديث نكهته.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك