رحلة "مجري " إلى قلب الإسلام: قراءة في كتاب "الله أكبر!"
"عشرة علماء في واحد" هكذا وصف عملاق الأدب العربي العقاد المؤلف جولا جرمانوش "Germanus Gyula"، الذي اتخذ لنفسه اسم "عبد الكريم جرمانيوس" بعد إسلامه. ومن مقولات الدكتور عبد الكريم جرمانيوس الخالدة في الأذهان: "حُبّب لي الإسلام أنه دين الطهر والنظافة: نظافة الجسم والسلوك الاجتماعي والشعور الإنساني، ولا تستهن بالنظافة الجسمية فهي رمز ولها دلالتها، كم ألفيت في قلوب المسلمين كنوزًا تفوق في قيمتها الذهب، فقد منحوني إحساس الحب والتآخي، ولقنوني عمل الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر".
تعلّم عبد الكريم جرمانيوس اللّغات الغربيّة: اليونانيّة، اللاتينيّة، الإنجليزيّة، الفرنسيّة، الإيطاليّة، ومن اللّغات الشرقيّة: الفارسيّة والأورديّة، وأتقن العربيّة والتركيّة على يد أستاذيه: آرمين فامبيري، وجولدتسيهر إجناتس اللّذين ورث عنهما ولَعهما بالشرق الإسلاميّ. في عام 1912 م عُيِّن أستاذًا للّغات العربيّة والتركيّة والفارسيّة، وتاريخ الإسلام وثقافته في المدرسة الشرقيّة للدراسات العليا، ثمّ في القسم الشرقيّ من الجامعة الاقتصاديّة، ثمّ أستاذًا ورئيسًا للقسم العربيّ في جامعة بودابست 1948م، وظلّ يقوم فيه بتدريس اللّغة العربيّة، وتاريخ الحضارة الإسلاميّة والأدب العربي، محاولاً إيجاد حلقات اتصال بين نهضات الأُمم الإسلاميّة الاجتماعيّة والسيكولوجيّة، حتّى أُحيل إلى التقاعد في 1965م.

درَّس في أشهر جامعات الهند: دلهي ولاهور وحيدر آباد، وهناك أشهر إسلامه في مسجد دلهي الأكبر، وألقى خطبة الجمعة. وقدم القاهرة وتعمَّق في دراسة الإسلام على شيوخ الأزهر، ثمّ قصد مكّة حاجًّا، وزار مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم. وقام بتحرِّيات وأبحاث علميّة في القاهرة والسعوديّة، نشر نتائجها في مجلَّدين: شوامخ الأدب العربي 1952م، ودراسات في التركيبات اللّغوية العربيّة 1954م.

في ربيع عام 1955م عاد ليقضي بضعة أشهر في القاهرة والإسكندريّة ودمشق بدعوة من الحكومة ليحاضر بالعربيّة عن الفكر العربيّ المعاصر. كما أصبح عضوًا في المجامع العلمية العربية بمصر وبغداد ودمشق. كما ترك عبد الكريم جرمانيوس تراثًا علميًّا زاخرًا من عشرات المؤلفات يتسم بالعمق والتنوّع والثراء الأدبي، وقوة المضمون، ومتانة الأسلوب، ومن مؤلفاته علي سبيل المثال لا الحصر: قواعد اللّغة التركيّة (1925م)، والقوميّة العربيّة (1928م)، والتيّارات الحديثة في الإسلام (1932م)، واكتشاف الجزيرة العربيّة وسوريا والعراق وغزوها (1940م)، ونهضة الثقافة العربيّة (1944م)، وابن الروميّ (1956م)، ونحو أنوار الشرق، وفي الثقافة الإسلامية، وأدب المغرب (1964م).

كما كان يؤلِّف كتبه وأبحاثه بعدد من اللغات إلى جانب المجرية، مثل: الإنجليزية والفرنسية والإيطالية والألمانية. ولعل أسلوبه السهل الآسر كان وراء انتشار كتبه، وبهذا قام جرمانيوس بدور رائد في التعريف بالثقافة العربية والأدب العربي وبالإسلام وبحضارة الشرق عمومًا، فتعرَّفت أجيال متتالية من القراء على أعماله وأحبَّتها. توفي عبد الكريم جرمانيوس في 7 من نوفمبر 1979م، وقد بلغ عمره ستة وتسعين عاما، ودُفِنَ حسب الشعائر الإسلامية في بودابست. ويحتفظ المتحف الجغرافي المجري في مدينة إرد المجرية بكامل أرشيف هذا الرحالة والمستشرق المجري المسلم.
"الله أكبر!" عمل استثنائي يتجاوز بكثير مؤلفات جرمانيوس السابقة مثل "سحر الشرق" و"تاريخ الأدب العربي"، كونه يقدم فيه إنجازًا أدبيًا وعلميًا فريدًا. فبينما اقتصرت أعماله الأولى على الطابع السيري الذاتي أو الدراسات الأكاديمية المتخصصة، يجمع هذا الكتاب بين التجربة الشخصية الحية لرحلة الحج إلى مكة (1934-1935) والمعرفة الموسوعية الشاملة عن الإسلام والعالم العربي. ويمكن القول عنه إنه أول عمل شامل عن الجزيرة العربية يُكتب للجمهور الأوروبي العام، حيث تحمل المؤلف رسالة ثقافية طموحة تهدف إلى تقديم موسوعة مصغرة حول الحضارة الإسلامية والثقافة العربية، مما يجعله مرجعاً مهماً وممتعاً في الوقت نفسه لكل من يريد فهم الشرق بعمق وصدق.

يحتوي الكتاب على عشرة فصول غنية ومتنوعة: نجد في الفصل الأول من الكتاب سردا تفصيليا دقيقا وحقيقياً لرؤية الكاتب لصلاة الجمعة في مسجد دلهي الكبير، والإسلام في الهند والمعوقات التي يقابلها المسلم الجديد. أما الفصل الثاني فيحكي الكاتب عن الإسلام في شبه الجزيرة العربية التي زارها مرات عديدة. أما إذا انتقلنا إلي صفحات الفصل الثالث فنجد أن الكاتب قد أفرد كل هذا الفصل الكبير للحديث عن مفضلته ووطنه الثاني مصر، واصفا القاهرة بمدينة الألف ليلة وليلة، ومجتمع طلاب جامعة الأزهر بصفته طالباً في هذه الجامعة العريقة وكيف عاش أيامه هناك بجمالها وصعوباتها، ويتحدث أيضا عن ماهية الإسلام في مصر وتحديدا في الأزهر الشريف، وما الذي استفاده من الدراسة في الأزهر الشريف؟ وفي الجزء الأخير من هذا الفصل يتحدث عن لقاءاته وصداقاته المتينة بعمالقة الأدب العربي في تلك الفترة كإبراهيم ناجي ومحمود عباس العقاد وتوفيق الحكيم ومحمود تيمور وأمين حسونة وطه حسين.

في الفصل الرابع يقتحم الكاتب عالم الدراويش باستفاضة ويلقي نظرة موضوعية علي هذا العالم، وفي الفصل الخامس يتحدث عن التاريخ الإسلامي في بداياته وخاصة الفترة التالية لبزوغ شمسه مباشرة والفترة السابقة له، ثم يفرد الكاتب بعبقريته الفصل السادس كله للحديث عن نبي الإسلام محمد عليه أفضل الصلاة والسلام.
أما الفصول الأخيرة للكتاب وتحديدا من الفصل السابع حتي العاشر يتحدث الكاتب عن الحج ومكة المكرمة والحياة فيها ولقائه بالملك عبدالعزيز آل سعود، ثم حواراته مع التجار المسلمين هناك، ثم ينتقل من مكة إلي المدينة، ولم يغفل تناول قبر النبي (ص) وقصته.
يتميز كتاب "الله أكبر!" بطابعه الفريد الذي يجمع بين الدقة الأكاديمية والسحر الأدبي، حيث نجح جرمانيوس في تقديم دراسة شاملة ومتقنة البناء حول الإسلام والعالم العربي دون أن يقع في فخ الجفاف الأكاديمي أو الانحياز لفئة معينة. كما يقدم الكتاب ثروة معرفية هائلة حول التاريخ العربي والتركي والهندي، والدين والأدب واللغة والفنون، لكنه يعرضها بأسلوب حيوي وجذاب يجعل القارئ يشعر وكأنه يحزم حقائبه للسفر إلى مصر والسعودية والهند. يخلق المؤلف جواً ساحراً ينقل القارئ إلى قلب العالم العربي، حيث يكاد يسمع صوت المؤذن يدعو للصلاة، ويشم عبق التوابل المختلط بغبار الصحراء، ويرى صخب الشوارع الملون.
يُعد "الله أكبر!" من الأعمال الاستثنائية في الأدب المجري، وهو ما تؤكده مسيرته الطويلة في النشر والإقبال المستمر عليه عبر عقود متتالية. صدر الكتاب لأول مرة عام 1936، ونال منذ ذلك الحين شهرة واسعة دفعت بدور النشر المختلفة إلى إعادة طباعته في سبع طبعات، حيث صدر الكتاب لأول مرة عام 1936 عن دار "ريفاي" في بودابست، ثم تنوعت الطبعات بين دار "سيبإبروضالمي" التي أصدرته في أعوام 1968 و1973 و1976 و1979 و1984، وأخيراً دار "بالاتينوس" عام 2004. هذا الاستمرار في النشر عبر أكثر من سبعة عقود يدل على أن الكتاب تجاوز حدود زمنه ليصبح مرجعاً كلاسيكياً في أدب الرحلات والدراسات الشرقية، وأن رؤية جرمانيوس للعالم العربي والإسلامي لا تزال تحتفظ بصدقها وعمقها رغم مرور الزمن.
من أبرز الجوانب المثيرة في الكتاب تلك اللقاءات الشخصية التي أجراها جرمانيوس مع الملك عبد العزيز آل سعود، مؤسس المملكة العربية السعودية الحديثة، والتي تُعد كنزاً حقيقياً لمحبي التاريخ. يرسم المؤلف صورة حية لشخصية كاريزمية استطاعت أن توحد القبائل المتناحرة في صحاري الجزيرة العربية وتؤسس دولة حديثة. هذه اللمحات التاريخية النادرة تكتسب أهمية خاصة اليوم، حيث تساعدنا على فهم جذور التطورات السياسية في المنطقة وطبيعة العلاقة بين السلطة السياسية والمؤسسة الدينية في المملكة السعودية.
وختاما، وعلى الرغم من أسلوبه الخطابي نوعًا ما وبعض الاستطرادات الأدبية المملة في صفحات معدودة، إلا أن جرمانيوس أبدع مزيجًا أصيلاً من العمل الأكاديمي والأدب الشعبي وأدب الرحلات والاعتراف الذاتي والمقال السياسي. يحكي القصة المليئة بالأحداث لرحلاته العربية وحجه إلى مكة، وتجاربه التي تتراوح بين الفكاهية والمأساوية، لكنها دائماً مثيرة ومشوقة. وفي الوقت نفسه يتيح الفرصة لتقديم نظرة عميقة على أسرار الحياة اليومية العربية، ويتحدث بالتفصيل عن ماضي الشعوب العربية وحضارتها وأدبها ودينها وروحانيتها. لم يفقد الكتاب شيئًا من راهنيته، فأوصافه واستنتاجاته وتحليلاته لا تزال معاصرة حتى اليوم. إنه قراءة ضرورية لكل من يهتم بالمعرفة الصادقة والحقيقية عن الشرق، ومرجع مهم لفهم الشرق من منظور غربي منصف ومتعمق.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك