قراءة في رواية" سلالم بوذية" للكاتبين معتز صلاح وهبة عبد الحكم
قراءة ثلاثية في رواية مختلفة
على سبيل التقديم
صدرت رواية (سلالم بوذية) للكاتبين: معتز صلاح - هبة عبد الحكم عن دار نشر المكتبة العربية للنشر والتوزيع في يناير من العام 2020م، وهي رواية صغيرة الحجم نوعاً ما من حيث عدد الصفحات وإن كانت كبيرة العمق من حيث المضمون، وتدور أحداثها في أماكن وأزمنة متعددة لا نعيش فيها مع أبطالها فحسب بل نشاركهم لحظة - بلحظة مشاهد مختلفة العامل المشترك فيها جميعاً هو (النفس البشرية) وما يدور في خلجاتها من ضعف وقوة ومشاعر دفينة وظاهرة وصراعات داخلية وخارجية في إطار إنساني عذب ومشوق.
وربما اخترت هذة الرواية تحديداً لتكون موضوعاً لمقالي لثلاثة أسباب:-
الأول: إنها أول رواية أقرأها (كاملةً) أكثر من مرة منذ فترة ليست بالقصيرة على الإطلاق.
أما الثاني: فضولي الشديد كـ (كاتب) لمعرفة ما هو نتاج هذا التعاون المثمر بين اثنين من الكتاب المختلفين في الاسلوب والتجربة لكل من يعرفهما عن قرب أو سبق له القراءة لهما.
وأخيراً الثالث: كونها رواية مختلفة عن ما كان يصل إلى يدي في الفترة الماضية من روايات قديمة وحديثة الصدور حيث كان أغلب ما يصل في حقيقة الأمر لا يزد عن كونه تكرار لأفكار وموضوعات سبق مراراً و تكراراً تناولها في روايات سابقة في تشابة سافر يصل بي دائماً إلى حد الممل.
ولقد قرأت رواية سلالم بوذية (قراءة ثلاثية) بثلاث عيون أو بالأحرى ثلاث صفات..
كـ (قارئ) وكـ (كاتب) وكـ (صديق)..
ولعلني أصارح نفسي قبل الجميع إنني لم أستطع طوال فترة القراءة لهذة الرواية التخلص من أي صفة من هذة الصفات الثلاث وإن حاولت جاهداً في هذا المقال حرصاً مني على الموضوعية الفصل بينهم قدر استطاعتي..
كـ قارئ
- الصفحات الأولى من الرواية مرت بين يدي عذبة خلابة أخذتني إلى عالم آخر جميل تمنيت أن أعيشه فيه بين أبطال الرواية (عادل) و (سندس) و (فايز) و (مديحة)، وتساءلت مقلباً صفحةً تلو الأخرى.. هل هو عالم حقيقي حقاً أم مجرد خيال كاتب وحلم جميل سوف أستفيق منه في الصفحة التالية؟
- تتوالى الصفحات والأحداث وتظهر شخصيات أخرى جديدة شعرت معها بشيء من الحيرة والقلق، وتساءلت هل ما فهمته حتى الآن صحيحاً أم علي العودة إلى البداية لأقرأ بتركيز أكثر؟
- مع اقتراب نهاية الرواية اكتشفت بل أدركت الرواية الحقيقية بعد أن تكشفت لي أكثر حقيقة أبطالها واتضح لي عمق فكرتها ومعانيها وسبب تسميتها، أما بالنسبة لنهاية الرواية الحقيقية فمن الممكن لي أن أختارها بنفسي كـ قارئ.
كـ كاتب
- هذة الرواية تعد من الروايات عميقة المضمون والرسالة وهي من نماذج (الكتابة المحتملة) وهذا المنهج في الكتابة وإن لم يكن حديثاً في عالمنا العربي إلا أنه قليلة هي حقاً الروايات المكتوبة بهذا المنهج أو بالأحرى قليلاً من يجيد الكتابة به.
- اختيار البداية من عند شكسبير وتحديداً مسرحية (مكبث) اختيار عبقري ومدعاةً للتأمل في وضع مفتاح اللغز في بداية الرواية ثم البدء في البحث عنه بعد ذلك.
- لغة الحوار في الرواية أكثر من رائعة في تقابلها وتصاعدها وهبوطها من الفصحى الرصينة عند (سندس) إلى العامية الدارجة عند (عادل) ثم يبدأ (عادل) في الإرتقاء بلغته أكثر ليكتب بشيء من الفصحى حتى تستطيع (سندس) الفهم مع الحفاظ على مستوى اللغة المناسب عند بقية أبطال الرواية.
- مع القراءة الأولى للرواية فكرت لبعض من الوقت أنه كان من الأفضل الاكتفاء بـ أبطالها وشخصياتها الرئيسية الأربعة وهم: (عادل) و (سندس) و (فايز) و (مديحة) مع ظهور بعض الشخصيات الثانوية الأخرى حسب الحاجة بالإضافة إلى ظهور الشخصية المحورية (فكري) في نهايتها فقط دون المغامرة بظهور شخصيات أخرى جديدة في منتصفها تقريباً وأيضاً دون السباحة أكثر في عمق الفكرة لدرجة قد لا يستوعبها القارئ العجول أو يشعر معها بشيء من الحيرة، حيث وجدت أن ظهور شخصيات جديدة يعد مغامرة محفوفة بالمخاطر حتى وإن كانت مجرد عمق فكرة للكاتب،
فدائماً ما أرى أن استيعاب ظهور وتقبل شخصيات أخرى جديدة في منتصف الرواية يحتاج إلى قارئ من نوع خاص.
ومع الأسف.. لقد أسرفنا نحن الكتاب في التبسيط والتوضيح والتلميح في كتاباتنا أكثر من اللازم حتى أصبح القارئ يعتاد على ذلك بل ينزعج أحياناً من عمق الأفكار إذا ما حاول البعض منا الخروج عن المألوف والعودة إلى الأدب الحقيقي الذي يخاطب العقل ويستفزه للتفكير كما يخاطب القلب ويثير المشاعر عندما يتعمق أكثر في أعماق النفس البشرية بكل ما تحمله من تناقضات..
- أسماء أبطال وشخصيات الرواية وتحديد التواريخ والأزمنة والأماكن حتى عناوين البريد الالكتروني كانت مثيرة للتفكير والتأمل، أما بالنسبة للحروف المتناثرة والتي كتبت دون نظم أو إنتظام في نهاية الرواية فإنها كانت مفيدة لإيصال الفكرة وتصوير الحالة النفسية للشخصية وما تعانية إلا إنها كانت من دواعي حيرتي في محاولة تجميعها لتكوين كلمة أو جملة مفيدة لعلني أصل منها إلى شيء ولم أصل.
- كتابة الرواية المشتركة تعتمد في الأساس على توافر عنصرين..
الأول: أن تحتمل فكرة الرواية ذلك (وأرى أن الفكرة تحتمل أن يشترك في كتابتها اثنين)، أما الثاني: فهو وحدة وانسجام وترابط الرواية (وأرى أن ذلك محققاً بنسبة كبيرة حتى وإن شعرت أحياناً بإختلاف الاسلوب أو تغير اللغة).
- لا أميل عادةً إلى النهايات المفتوحة بل أشعر معها أحياناً بنوع من أنواع التخلي عن القارئ في عدم مصاحبته إلى خط النهاية ولكن أما وأن الرواية قد تنتمي كما أرى إلى روايات أو أدب الكتابة المحتملة فالأمر يحتمل ذلك.
كـ صديق
- كانت القراءة ماتعة وأنا أبحث عن كل من (معتز صلاح) و (هبة عبد الحكم) أقرب وأعز الأصدقاء الكتاب إلى قلبي في كل جملة بل كل كلمة حتى كل حرف من حروف الرواية.. لم أبحث كثيراً عن (هبة) حيث وجدتها مباشرةً عندما وجدت الفصحى (لغتنا الجميلة) والألفاظ النادرة والتي تضعها كالعادة في مكانها الصحيح وببراعة في الحوار، أما (معتز) فقد كان متواجداً منذ البداية وطوال قراءة الرواية وإن كان قد غاب قليلاً بعد البداية الشكسبيرية القوية ووضع مفتاح اللغز في البداية فمازالت الخلفية المسرحية تجري في كتاباته ثم عاد ليظهر من جديد ويضيف الأحداث والشخصيات الجديدة التي زادتني حيرة وقلق حتى تأكدت من أنه (معتز) يتعمق فقط في فكرة الرواية ليس أكثر أما (هبة) فقد ظلت تعزف لحنها العذب من مقام (عشاق مصري) في انسجام شديد بين التاريخ والرومانسية واللغة.
ختاماً..
قارئي العزيز.. قد ادعوك لندخل سوياً فيلماً في إحدى دور العرض السينمائي وإذا بنا نخرج بعد الفيلم وأنا أبكي وأنت تضحك أو وأنا غاضب منفعل وأنت هادئ متأمل..
والقراءة لقصة أو رواية تماماً مثل مشاهدة فيلم في السينما.. تجربة كل منا يفهمها ويدركها ويشعر بها بل يعيشها بطريقته الخاصة.
نبذة عن الكاتب

طارق الدياسطي
مهندس معماري مصري، وكاتب مقالات وقصص قصيرة وقصص أطفال، بدأت علاقته بالكتابة منذ المرحلة الجامعية في آواخر التسعينات وله العديد من المقالات الهندسية والأدبية والقصص القصيرة المنشورة، كما شارك في العديد من المسابقات الهندسية والأدبية وحقق مراكز متقدمة وحصل عنها على جوائز وشهادات تقدير ..
وللتواصل عبر البريد الألكتروني : Archi_tarek@yahoo.com
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
حبّذا لو كانت نسخة العمل المبدفة على الأقل متاحة للتنزيل ، فأزجي إلى معاليك الشكر على بثّها ، ما لم تكن حقوق الكاتبين تمنع ذلك الآن .
شكراً جزيلاً لمعاليك .
سعيد ابو ضيف .
أضف تعليقك