من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

تجليات الإبداع في المجموعة القصصية " الأسماك يحكمون المدينة " للكاتبة رانية المهدي

د.عادل السيد يوسف
تجليات الإبداع في المجموعة القصصية


النقد الأدبي عملية إبداعية كاشفة عن جوهر النص ، وتزيح المخبوء بين السطور ، وتضيء المناطق الظليلة في النص من خلال توليد دلالات جديدة ربما لم ينتبه إليها المبدع كاتب النص.

  ومن هذا المنطلق أجد في داخلي رغبة ملحة في تقديم تلك القراءة النقدية تحت عنوان تجليات الإبداع في المجموعة القصصية " الأسماك يحكمون المدينة " للكاتبة رانية المهدي.

      صدرت المجموعة القصصية " الأسماك يحكمون المدينة  " للكاتبة رانيه المهدي بعد مجموعتها القصصية الرائعة " ثُمن شاي"

وقد احتوت الأسماك يحكمون المدينة على ( 56) قصة منها (18) قصة قصيرة جدا ، و(8) قصص طويلة، و(30) قصة قصيرة.

وقد ظهر لنا تجليات الإبداع في هذه المجموعة القصصية من خلال ما يلي:

1-العنوان: (الأسماك يحكمون المدينة).

  هو عنوان لإحدى قصص المجموعة القصصية ، وهو في البداية ، وهو عنوان ملفت للنظر ومثير للدهشة ويحمل الكثير من الغموض والرموز الذي يجعل القارئ يتساءل كيف يمكن للأسماك التي تعيش في البحر أن تحكم المدينة ؟!!

نقول : أن العنوان يرمز إلى استغلال الأقوياء، أو أصحاب الموارد الكبيرة للضعفاء ، وهو يعكس صراع القوة وسقوط الضعفاء ، وهويعبر عن غريزة الافتراس والبقاء للأقوى.

  وقد لاحظت شيوع دلالة القوة واستغلال الضعيف وافتراسه في العديد من قصص المجموعة مثل:

 قصة (الشريط الأحمر )  التي حاول فيها صاحب المحل استغلال عامله الضعيف وان يغتصب زوجته بسبب قوته وسطوته.

وفي قصة (أبي) نلاحظ فيها صورة الأب القاسي المجرد من الرحمة مع أولاده.

وفي قصة (الميراث) نلاحظ سطوة زوج الأم على أبناء زوجته وضربهم وإهانتهم بل الاستيلاء على ميراث زوجته.

وفي قصة (الكأس الأخير) ينزل الجنين من الأم أثناء الرقص وتقوم الأم بأكل ابنها وهذا منتهى الافتراس.

 2- عناوين القصص:

جاءت عناوين قصص المجموعة مناسبة لمضمونها وجاذبة للانتباه مما يدفعنا للتعمق والإبحار داخلها للوقوف على ما تحمله من دلالات  تظهر في متن القصة مثل: الكأس الأخير، اليد الباردة ، العشق ، الشعرة ، الرداء.

3- الراوي:

ظهر إبداع الكاتبة رانيه المهدي بوضوح شديد من خلال استخدامها لتقنية الراوي في مجموعتها القصصية ، وقد لاحظت أن للراوي وظيفتين  فهو تارة يقص الأحداث وما يحدث  أي الراوي ( العليم) كما في قصة ( اليد الباردة ) و( الميراث) ، ( والكأس الأخير).

وأحيانا يعلق على الحدث دون أن يسهم في صنعه.

 وقد وجدت الراوي أحيانا يشارك في صنع الحدث وتطوره بل أن القصة نفسها تحمل اسم الراوي كما في قصة ( شريط أحمر) فقد جعلت الكاتبة الشريط الأحمر ( الضفيرة) يروي الأحداث  يقول الشريط الأحمر:

  " اختارته من بين مئات الأشرطة ليصحبها طوال السنوات ، ليزين خصلات شعرها الذهبي ، تزوجت وهي صغيرة من ابن عمها وأنجبت ثلاثة أبناء، ولكن وزجها لم يملك قوة الرجال ، حاولت الطلاق منه لكن أمها رفضت ، وذهبت إلى المدينة بصحبة زوجها وتقابلت مع صاحب مجل ، وأراد اغتصابها لكنها هددته بقتل نفسها بالسكين خوفا من العار ، ثم رجعت إلى القرية مع أبنائها وقررت أن تستقل بذاتها، ورمت الشريط الأحمر في صندوقها الخشبي لتعلن أنها أصبحت مسئولة عن حياتها"

4-الشخصيات غير النمطية:

لو تأملنا شخصيات المجموعة القصصية الأسماك يحكمون المدينة لوجدنا أنفسنا أمام العديد من الشخصيات غير النمطية منها :

-الشريط الأحمر: الذي كان رمزا للطفولة والجمال وعدم تحمل المسئولية.

-الأب القاسي الذي لا يعرف الرحمة ، وقد كان له حضور قوي في بعض القصص مثل قصة : أبي ، والميراث.

-العم الذي تزوج من زوجه أخيه واستولى على ميراثها وسقاها هي وابنائها ألوانا من العذاب.

-صاحب المحل : الذي حاول اغتصاب زوجة عامله 

-الأم المظلومة المغلوبة على أمرها نتيجة زواجها من شقيق زوجها.

-الزوجة العفيفة الطاهرة التي تحافظ على عرضها ولا تنساق إلى الرذيلة أبدا..

-المرأة العاهرة التي تحمل سفاحا وترقص وهي حامل ومخموره حتى يسقط الجنين منها وهو كتلة لحم مشوه.

-شخصيات مجردة لا تحمل اسم ولا هوية لتكون عامة في دلالاتها في الحب والكره والضعف نجد 1لك في بعض القصص مثل قصة (المشاهدة) : تقول رانية المهدي:\

" استيقظ من نومه فوجدهم يحيطون به بجدية مهيبة ويعلنون له " مبارك ... لقد مت بالأمس" فرك عينيه وقال : ( لكني أتنفس ) فضحكوا وقالوا : " وهل كنت حيا من قبل"؟


-الكائنات الحية: نلاحظ أن الكائنات الحية قد رُسمت بعناية شديدة وعبرت من خلال السياق الذي وقعت فيه عن المعاني والرموز التي أرادت الكاتبة توصيلها للقارئ كالأسماك ،والقرود، والتماسيح ،والقطط ولنأخذ من قصة " الأسماك يحكمون المدينة مثالا على ذلك والتي جعلتها الكاتبة عنوانا للمجموعة القصصية تقول الكاتبة رانيه المهدي:

" صور القرود موضوعة على لافتات الشوارع المضاءة بقوة ، أحهم كرجل أعمال كبير ، والآخر كفنان مشهور ، وهذا كاتب قد حصل على جائزة ، التماسيح تعمل كأطباء ويأكلون المرضى ، والأسماك تسير على قدمين ترتدي بذلات فاخرة وتحمل حقائب سوداء ضخمة ، وتجلس خلف المكاتب الفاخرة ، ماذا يحدث في العالم ؟ هل هذا حلم؟ ظهر الشخص الغريب وقال  بلهجة ساخرة تسكنها المرارة  يا صديقي الأسماك يحكمون المدينة"

5- تنوع الحبكة الدرامية في المجموعة القصصية:

الحبكة : سلسلة من الأحداث المترابطة التي تعمل على جذب انتباه القارئ. وقد تنوعت الحبكة الدرامية في هذه المجموعة القصصية على النحو التالي:

أ-الحبكة الخطية:

 وهي سرد الأحداث بترتيب زمني متسلسل من البداية للنهاية ، وهذا النوع هو الأكثر شيوعا في المجموعة القصصية ومن أمثلته : قصة الكأس الأخير ، واليد الباردة .

ب الحبكة الحلقية:

 وهي أن تبدأ القصة وتنتهي عند نفس نقطة البداية ولكن بمنظور مختلف نتيجة تطور الأحداث، ومن ذلك قصة الشعرة ، والشريط الأحمر.

ج- الحبكة الاسترجاعية:

 وهي الحبكة التي تعتمد على العودة بالزمن إلى الوراء للكشف عن أحداث ماضية تؤثر في الحاضر كما في قصة ( أبي) التي استرجعت فيها البطلة حكايتها مع أبيها القاصي الذي يعرف معنى الأبوة.

6-اللغة والخطاب القصصي:

عندما ننظر للغة القصص نجدها معبرة عن أبعاد الشخصيات ففيها اللهجة الريفية ، والقاهرية ـ وابن البلد ، والمثقف ، والحرفي.

ومن جانب أخر نجد اللغة الجمالية التي تفيض جمالا وعذوبه ورقة ، وأسلوب الكاتبة بعيد عن الغموض والحوار جاء مطورا للحبكة ومعبرا عن الأحداث ومن ذلك:

قال: إن القلوب يمكن أن تستأجر أو تباع فبيعي قلبك الدافئ أو اسمحي لي أن أستأجره بعض الوقت.

 قالت له : إن كان البيع مباحا كما تقول فبع لي أنت يدك الباردة وسأدفع لك كل ما تريد.


3- تجليات الإبداع في قصة "اليد الباردة" من المجموعة  القصصية "الأسماك يحكمون المدينة" للكاتبة رانيه المهدي.


الزوج: إن القلوب يمكن أن تُستأجر أو تُباع ، فبيعي قلبك الدافئ أو اسمحي لي أن أستأجره.

الزوجة: إن كان البيع مباحا كما تقول ، فبع لي أنت يدك الباردة وسأدفع لك كل ما تريد.

فكرة القصة:

    تدور قصة " اليد الباردة" حول احتياج كلا الزوجين للآخر احتياجا يتجاوز الجانب المادي إلى الاحتواء العاطفي  ، وعدم القدرة على العيش بدون شريك الحياة ، وأن انفصال أحدهما عن الآخر يفقد الحياة توازنها وطعمها وبهجتها.

وتوضح الكاتبة أن الزوج سكن ومودة، لا مجرد عٌقد وقسوة.

وتؤكد على أن الزواج يقوم على التفاهم ،والشراكة ،والتكامل بين الزوجين.

عنوان القصة: اليد الباردة.

  جاء العنوان ملفتا للنظر جاذبا للقارئ  غامضا يثير العديد من التساؤلات تجعل القارئ يسرع للإبحار في القصة.

اليد الباردة: في علم النفس غالبا ما تكون استجابة جسدية لحالة التوتر والقلق والخوف ، حيث يقل ضغط الدم المتدفق للأطراف.

قضايا القصة:

تطرح قصة " اليد الباردة" قضية ( الاحتياج) و(التكامل )بين الزوجين ، وأن الاحتياج ليس ضعفا من الطرف الآخر، بل ضرورة عاطفية ، حيث أدرك الزوجان أن غياب أحدهما يمثل اختلالا لميزان الآخر ،وعدم قدرته على العيش بدونه.

الشخصيات:

 الزوجة: تمثل الجانب العاطفي المتأجج بالمشاعر الذي يحتاج إلى تقدير واهتمام.

الزوج : يمثل الجانب العملى بقسوته وتجمده وبرودة مشاعره.

وقد نجحت الكاتبة في مزج الجانبين معا ؛ليحدث التآلف بينهما.

الحوار:

   جاء الحوار في قصة " اليد الباردة" أداة سردية حيوية لتطوير الأحداث، والكشف عن مدى احتياج الزوجين للآخر ، وكسر رتابة الوصف؛ مما أضفى واقعية درامية شديدة ومن أمثلة ذلك:

الزوج: إن القلوب يمكن أن تُستأجر أو تُباع ، فبيعي قلبك الدافئ أو اسمحي لي أن أستأجره.

الزوجة: إن كان البيع مباحا كما تقول ، فبع لي أنت يدك الباردة وسأدفع لك كل ما تريد.

الرمزية:

   يضفي الرمز عمقا ودلالات أوسع تتجاوز المعنى الظاهري مما يثري القصة و يزيد دور القارئ في التأويل ، ويبعد القصة عن الرتابة والملل ومن هذه الرموز:

-اليد الباردة: التي ترمز إلى التوتر، والقلق، والخوف، وتبلد المشاعر، وقسوة القلب .

القلب المشتعل: الذي يرمز للحب الشديد، والمشاعر المتأججة والحاجة ألى السند والدعم.

الحبكة والأسلوب:

   اعتمدت القصة على لحظة تنوير مفاجئة وهي تجمُد يد الزوج وامتداد الصقيع إلى باقي الجسد ، واشتعال قلب الزوجة وانتقال النيران إلى صدرها ورأسها؛ لتشمل كامل جسدها ، فبكت الزوجة فجرى عليها واحتضنها ؛فعاد السكون واكتمل كل منهما من جديد.

وأخيرا :

   أقول للكاتبة  رانية المهدي: شكرا لقصتك " اليد الباردة"  التي صورت الزوج  على أنه " سكن ومودة" لا مجرد عقد ، وأظهرت أهميته كبناء أسري متكامل . قصتك جسدت أهمية الحب، والتفاهم والشراكة ، بين الزوجين.


الكاتب في سطور

د/ عادل السيد يوسف.

-دكتوراه كلية الألسن ، جامعة عين شمس ، قسم اللغة العربية ، تخصص الدراسات الأدبية.

 -كاتب صحفي بمجلة النيل والفرات ، وأيامنا ، وأخبار الوطن العربي ، وجريدة القاهرية ، والعديد من المواقع الالكترونية المهتمة بالأدب.

 -للكاتب العديد من اللقاءات والحوارات التلفزيونية والإذاعية مثل:

يرنامج لمسة وفاء على شاشة القناة الفضائية المصرية.

برنامج ملامح على شاشة قناة النيل الثقافية.

برنامج أوقاتي بتحلو على شتشة القناة الثانية المصرية.

برنامج فيديو تيب على شاشة القناة المصرية الثانية.

خطوات على طريق الإبداع على إذاعة البرنامج الثقافي.

على من نطلق الكلمات على إذاعة الشباب والرياضة.

-مناقش للعديد من الندوات الأدبية في مختلف محافظات جمهورية مصر العربية مثل : بورسعيد ، القاهرة ، الإسكندرية ، الاسماعيلية

-شارك في مؤتمر الإبداع الدرامي بين الواقع والخيال بالاسماعيلية.

-شارك في فاعليات معرض الكتاب الدولي بالقاهرة عدة دورات.

-صدر للكاتب:

1-كتاب النقد التفكيكي للرواية العربية المعاصرة بمعرض القاهرة الدولي للكتاب عام 2025م.

2-بحث نقدي منشور في المؤتمر العلمي الأول لنقابة اتحاد كتاب مصر بالاسماعيلية بعنوان رؤية نقدية في رواية سرداب الجن للكاتب ممدوح عبد الهادي عام 2024م.

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

6775
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.