ترياق
الحادية عشر مساء، يجر عربة اليد عائدا بخفي حنين، نوح بائع الترمس، لأول مرة يعود بها كما جاء لم يبتاع منه سوى اثنين، يمضي أسيفا، الوجوه من حوله متجهمة خائفة من عدو لا يرونه، لكنه يتهددهم في كل بوصة محتمل وجوده، الكورونا حجبت ثلثي الوجه وأبانت عيونا ملؤها الخوف، يتباعدون قدر ما يستطيعون، يصطف على الكورنيش العشاق، مثنى، يلوذ كل منهما بالآخر كأنه حصنه الحصين لا يمكن أن تخترقه الكورونا، ينظر إليهم في صمت كاظما عتابه، هل الكورونا تسكن ترمسه فقط؟!!
نوح رقيق الحال، بيته المتهالك في أطراف المدينة، قطعة أرض حددها بخشب وصاج وأعمدة خشبية جمعها من هنا وهناك، جاء من قريته النائية منذ عشر سنوات مع زوجه وابنيه محتفظا بلكنته ناتئة على لسانه، هويته التي يمسك بتلابيبها خشية أن يذوب في هذه المدينة القاسية، كان طموحه محدودا، الستر الناتج من الكفاف، وكفافه محدود لا إسراف فيه، قبل الكورونا كانت زوجته هي النسمة الطرية التي تخفف من لظى الأيام، يقطن في عينيه وله العاشق الأبدي، يغار عليها من العيون، كل العيون، رجته أن تعمل بالبيوت لتساعده ولكنه رفض بشكل قاطع، كلما تطلع إليها رآها تمثالا من البرونز خرج من المعابد المحيطة بقريتهما النائية، سمراء متقنة التقاسيم تحمل نقاء العرق كأن الغزاة الذين مروا على مصر استثنوا أصلها منذ آدم، هي سلوته وهو سلواها في مرج الشقاء اللذان يتقلبان فيه، كان قبل كورونا يعود بجنيهاته التي تحقق لهما الأمان المادي وإن كان لا يرتقي إلى المأمول ولكن الزوجة الحبيبة تجعل من العش المتداعي أجمل بقاع الأرض في عينيه، كلما احتواها واحتوته حضرهما توهج اللقاء الأول كأن هذا الزواج لم يمر عليه عشر سنوات.
ألقت كرونا بلزوجتها عليهما فجددت طلبها بالعمل بالبيوت، فرفض في عصبية محذرا إياها الكلام في هذا الشأن مرة أخرى، تستبطن كلامه دون أن تستزيد فتلوذ بصمت مطبق.
خرج صباحا دون عربته حاملا الدلو والفوطة، متوجها إلى أحد البوابين في الحي الراقي، العتيق القريب لمنفاه المختار باحثا عن عمارة ليعمل حارسا عليها ولم يجد ولكنه أوصى الكثيرين بإخباره حين توفر العقار الشاغر من حارس.
توجه إلى موقف السيارات عارضا نفسه على من يرغب في أن يغسل له سيارته فأحاط به جملة ممن يقتسمون هذا العمل بالموقف، نظروا إليه شذرا وبدت البغضاء من أفواههم، أنذروه بالذهاب بعيدا فلن يسمحوا له بمشاركتهم ولكنه قابل تحديهم بتحد أشد فأمسك أحدهم بتلابيبه وتجهم قائلا:
انصرف بالذوق أحسن لك.
وقام آخر بجذبه من ذراعه في ظل إحاطة الآخرين به ويمضون به عنوة خارج الموقف حتى بعدوا عنه محذرين إياه من معاودة الكرة.
لاذ بالصمت خشية أن تغلبه كثرتهم ووقف يراقب المكان المكتظ بالسائقين والركاب، عاود الدخول محتميا بالكثرة، رأوه من بعيد فاقتربوا منه مرة أخرى وجروه خارج الموقف مصحوبا بصيحاته عل الواقفين ينصفونه وبالفعل اقتربوا من الجلبة التي أحدثوها وعلموا بشكواه فقالوا تعاطفا أتركوه والأرزاق بيد الله بينما اجتمع الآخرون على أن لا يتركوه وعادوا لتهديده إن عاد وأبعدوه عن الموقف، وقف خائفا يترقب حتى ظن أنه غافلهم لانشعالهم بينما رآه أحدهم وهو يتسلل خلف سيارة ويقترب من صاحبها فاجتمعوا عليه وأوسعوه ضربا وركلا وصفعا حتى خلصه من أيديهم السائقون ونصحوه بالبحث في مكان آخر وسيحصل على رزقه.
مضى كسير النفس والروح وقد ترك الضرب آثاره على وجهه تورم وكدمات وألوان تتراوح بين الأحمر والأزرق وآلام مبرحة في مناطق شتى فمضى مثقل بجراحه وبجيوبه الخاوية حتى إذا دخل منطقتهم التي هي على هامش المدينة قابله أحد الجيران يسأله عما به وماذا حدث تأبت عليه نفسه الشكوى حتى دخل بيته ورأته زوجته التي هالها ما حدث له وأخذت تطمئنه وتربت على ظهره وتحتضنه لتضمد جروحه الداخلية ليرتطم بمكونها اللدن الذي بقدر ما يزيد أوجاعه بقدر ما يربت على نفسه المتداعية ثم قالت له حالا أذهب إلى الصيدلية وأشتري لك مرهم.
ولأنه يعلم بأن جيبها خاوي أمسك بذراعها في قسوة قدت من قسوة الأيام بعد أن تحين الشيطان الفرصة ونفث في رأسه فقال: هل معك نقود؟
قالت نعم زرت حميدة اليوم علمت أنها كانت مريضة، وكما تعلم أنها أصبحت ميسورة بعد سفر زوجها فأعطتني خمسين جنيه دون طلب والله وقالت هاتي حاجة حلوة لأولادك وأنت راجعة.
صمت كمن يدير حديثها في رأسه فارتاب في أمرها ولم يقتنع بما قالت، وألقى الشيطان في روعه أنها باعت نفسها فاضرم النار داخله، وبينما هي متوجهة للخروج إلى الصيدلية جذبها من ذراعها وصفعها وألقى بها أرضا وركض فوقها مطلقا إليها التهم بالباطل وأمسك برقبتها بين يديه حتى كادت أن تختنق قائلا لها:
حميدة عمرها ما تشبع، لو أفرجت ما بين شفتيها في بيتها لبلغنا نتن فمها.
فقالت بصعوبة أقسم لك أن هذا ما حدث وإن لم تصدقني تعالى معي واسألها.
صحبها إلى حميدة ولما رأتهما مدمدمين فهمت احتدام الأمر وبرأتها أمامه.
عادا إلى البيت ولم تستطع كبح دموعها وهي تنظر إليه معاتبة بينما هو خجل من نفسه فاقترب منها يقبل رأسها باكيا ويقول سامحيني أنا متعب.
فقالت بنفس راضية سامحتك.
ويمضي الوقت بطيئا، الكفاف الذي كان يولد الستر اختفى وأعيتهما الحيل، في الصباح يذهب يجلس بجانب عمال الترحيلة، ربما انتدبه أحدهم، أحيانا يتحصل على عمل وأيام يبقى دون عمل حتى بدأ العام الدراسي ولا يوجد لديه ما يكفي، ذهب إلى سوق الجملة ليعمل حمالا فطرده الحمالون.
مضى في الطريق يتفحص الوجوه ذات الكمامة، هو لا يرتدي الكمامة كأنه يرحب بالكورونا ربما كانت طوق نجاة، لو أصيب بكورونا هو أو زوجته أو أبنائه ماذا سيفعل؟ ظل يسأل نفسه ويستزيد في السؤال فيقول ولماذا لا تكون الكورونا رحيمة تصيبنا جميعا ونمت في الحال، ربما كانت لنا ترياق المرور إلى الآخرة، وإن متنا أين سندفن؟ الحياة بتفاصيلها بحاجة إلى مال والمرض بحاجة إلى مال والموت بحاجة إلى مال، إنه الإملاق، الموت وحده هو الذي يمحو عيوب النظام الحياتي لكل من أعيتهم الحيل، الموت وحده نهاية كل الأوجاع والآثام، الموت شفاء وبراء.
الآن هو أمام حائط سد فلا مفترق طرق ولا اختيارات أخرى، دوحة من الظلمات أظلته ولا يوجد في سقفه فرجات تسمح لضوء الشمس باختراقها لتبرقشهم بضوئها، أصبح عاري الظهر وبدت عورته التي بسببها أصبح ينشد الموت، الموت فقط تجلى في أفقه، هل يموت وحده ويترك زوجته لتلوذ بحضن زوج آخر ويترك ابنيه يلتهمهما الإملاق، لا بل الموت والموت فقط لهم جميعا.
عاد إلى البيت آويا في جيبه السم، غافل زوجته ووضعه في طعامهم اللاثريد وألتفوا جميعا حول الطعام وبدأت زوجته وابنيه بالأكل وهو يراقبهم بعيون صلبة جاحظة، ليتأكد أنهم بلغوا النهاية التي يطمئن إليها فيمت وهو مرتاح، ثم أكل بعدهم حتى يتحصل على ترياق الراحة التي اختارها لهم جميعا.
ورآهم أمام عينيه وهم يشحبون ويشعرون بالدوار ثم يتمددون طلبا للراحة، يختفي الدم من الوجوه فيموتوا يعقبهم في المضي فيشعر بدخان أمام عينيه يعقبه دوار تتداخل معه كل المرئيات حتى يعجز عن التمييز، كانت الأشياء تدور بسرعة تفوق قدرة العين البشرية على فصلها فتلتحم لتصبح شيئا واحد لا مسمى له، فيتمدد بجانبهم ليمهرهم جميعا الموت الرحيم.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
لا عمل و لا أمل و لا عيش يداري سواتنا يكون الموت هو الاختيار الأوحد للفرار من الألم و المهانة و قسوة الواقع ..
الموت الرحيم هو الحل .. 😭
دام التوفيق و الإبداع
أ. فاتن فاروق عبد المنعم
القصة قضية رأي عام في واقع يغتال حق الحياة ..
أضف تعليقك