فنجان قهوة مع نيتشه (٤)
في مرحلةٍ ما من حياتي، نظرتُ حولي، باحثةً في كل اتجاه عن يدٍ تمتدّ لي، لتُغلق جرحي، جرح طفولتي، وصباي، وحتى مطلع شبابي. لكنها دائمًا كانت يدًا متوهَّمة؛ مرة تكون صفعة، وأخرى مزحة، وأخرى تُفلِتني على عتبات الخطر. فأغلقتُ هذا الباب الذي فتحته قبلاً، محاولةً — دون إرادةٍ حرة مني — أن يشفق العالم على جرحي.
إلى أن قرأتُ في كتابك ما وراء الخير والشر:
«حيثما وجدتُ كائنًا حيًّا، وجدتُ إرادةً للقوة.»
تساءلتُ وقتها: ما هي إرادة القوة هذه؟
لفتتني كلمة القوة. نعم، أنا بحاجة إلى قوة.
من هنا فقط توقفتُ عن البحث عن يد تمتدّ لي. فهمتُ أنني أضعتُ الكثير من الوقت، وأن تلك اليد هي يدي أنا، وحدها من يمكنها العثور عليّ. وعرفتُ أن الإنسان يمكنه أن يعيد خلق نفسه من جديد، ويمنحها أي درجة شاء من إرادة القوة.
وحينما قرأتُ بعض ما كُتب عنك بخصوص إرادة القوة، وجدتُ من يصوّرها على أنها إرادة السيطرة على الآخرين، وأنها — وإن كانت إرادة السيطرة على الذات — فهي دربٌ من خيال، لن يصل بنا إلى نتيجة تلمس الواقع، ولا تنعكس على الفرد بشكل ملموس.
وأعرف كيف تهتمّ بأن تُعالج الفلسفةُ الواقعَ. كيف ترى هذه الآراء؟ وإلى أي مدى تشعر بأنها تقرأ ما كتبته بنفس صدقك ووعيك به؟
"بعد ما سردتِه عن نفسك حينما وعيْتِ بإرادة الاقتدار، لهو الإجابة الأهم والأصدق، ولكنني سأجيبك من كتابي هكذا تكلم زرادشت:
«الحياة نفسها أفصحت لي عن سرّها:
انظري، قالت: أنا ما يجب عليه دائمًا أن يتجاوز نفسه.»
الأمر ليست له علاقة إطلاقًا بما هو خارج الإنسان. المعركة في الداخل. الانتصار من عدمه، امتلاك القوة أو لا، كل هذه المعارك هي فرص الفرد لإعادة اكتشاف نفسه من جديد، وبالتالي إعادة خلقها. إنها ليست إرادة البقاء، بل إرادة التغلب، والتشكّل، والتجاوز.
ما هو الفعل؟ — السعي نحو القوة.
وما هي السعادة؟ — الشعور بزيادة القوة.
ليست السعادة أن تسيطري على آخرين، بل أن تسيطري على ذاتك، بتعميق فهمك لها، لا بوصفها ذاتًا لكِ، بل بوصفها حائلًا بينكِ وبين نفسكِ الحقيقية، حائلًا بينكِ وبين ما يمكن أن تكونيه وتصلِي إليه.
تحويل الألم والمعاناة إلى إبداع — إنه جوهر الإنسان الأعلى.
في كتاب ما وراء الخير والشر أقول:
«إن تربية العَظَمة في الإنسان لن تتم قط إلا عبر الانضباط في المعاناة، في المعاناة الكبرى.
ذلك التوتر في الروح الذي تولّده المصيبة، والذي ينمّي القوة، والجرأة، والقدرة على التفسير والاستثمار — كل ما في الإنسان من عمق ودهاء وعظمة — مُنح له عبر معاناة طويلة.»
وفي كتاب هكذا تكلم زرادشت أقول:
«أريد أن أتعلم أكثر فأكثر أن أرى الضرورة في الأشياء جميلة —
وهكذا سأكون من أولئك الذين يجعلون الأشياء جميلة.
هذا هو حبي لقدري: أن لا أريد لشيء أن يكون مختلفًا،
لا إلى الأمام ولا إلى الوراء ولا إلى الأبد.»"
أفهمك تمامًا. بمنطقك هذا، يتحوّل الجرح إلى كُوّة تضيء في عمق الروح، ويتحوّل الماضي إلى محاولة فهم واستيعاب لأصعب اللحظات وأكثرها إيلامًا. وبهذا فقط يمكننا أن نتحرّر من الألم والحزن، لا باعتبارهما شيئًا يُمحى، بل باعتبارهما الوسيلة الأصدق للمعرفة والإبداع.
الألم ليس شيئًا يُمحى، بل مادة خام نعيد تشكيلها مرة أخرى.
الإنسان الأعلى في نظرك ليس الذي يحاول أن يتخلّص من الجرح، بل هو الذي يُحوِّل الجرح نفسه إلى مصدر قوة وإلهام.
وليس شيئًا أجمل يمكنني أن أختم به فنجاننا هذا من قولك في هكذا تكلم زرادشت:
«ينبغي أن يكون فيك فوضى، لكي تستطيع أن تلد نجمًا راقصًا.»
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك