أولاد حارتنا
الأب الذي اختار أسماء بناته فاطمة وأم كلثوم، قدوة بالنبي صلى الله عليه وسلم، نفسه الرجل الذي كان يدرب يده على الكتابة بعد محاولة اغتياله بطعنة في العنق من جاهل عقب صدور الرواية الأهم والأعمق -أولاد حارتنا- ، فقد كتب كشكول كامل بعبارة -لا إله إلا الله محمد رسول الله- يمرن يده على الكتابة، وهو الشيخ فوق السبعين!
إن كان فيكم ذا عقل، فكيف لكم الاعتقاد بإلحاد نجيب محفوظ؟!
لا يمكن إنكار الصدمة التي سيتلقاها أي قارئ للرواية قراءة أولى، لكن القراءة المتأنية والعميقة الواعية الكلية المحيطة بفلسفة ورؤية عمنا نجيب محفوظ لفكرة خلق الكون وتطور الأحداث منذ صراع آدم وإبليس حتى يومنا هذا، سيدرك أن أولاد حارتنا تعد تتويجا لفهم محفوظ العميق لـ فلسفة الخَلق والأديان، نهاية بمحاولة العلم فرض سيطرته على الحارة التي ترمز للكون!
الرمزية واضحة تماماً، والأحداث مطابقة إلا من بعض الرموز والأسماء وإن كانت أوزانها واسقاطاتها جلية البيان، منذ خلق آدم واصطفاء الله له وحقد إبليس عليه و هبوطهما إلى الأرض وصولاً لخاتم الأنبياء مرورا بـ موسى وعيسى، ثم فترة السكون التي يعقبها ظهور العلم الحديث المشار إليه -عرفة- في الرواية.
إن معضلة فهم الرواية، تكمن في التفريق بين الرمز والمرموز كما قال محفوظ، لأن ذلك هو الحد الفاصل على قدرة فهم العمل وتمسكه بطابعة الأدبي كونه عمل روائي، گ باقي الأعمال الأدبية المشهورة التي استخدمت الرمزية مثل "كليلة ودمنة" و "مزرعة الحيوان" ، فإذا أشار كاتب مثلا لشخصية وزير في رواية بالثعلب، فلا يتنافى ذلك مع كون الثعلب حيوان قد يفعل ما تفعله الحيوانات، ولكن إسقاط الكاتب رمزيته على الوزير إنما لـ صفات محددة مثل المكر والذكاء!
وعلى هذا فـ التفريق بين الرمز والمرموز في أولاد حارتنا، واجب لابد منه.
فلا سبيل لإنتاج عمل أدبي يحكي قصة الإله والخلق وتصور فلسفة العالم واستخلاص الحكمة، إلا بالرمزية.
كانت -أولاد حارتنا- حصيلة تأمل خمس سنوات، أعقبت ثورة 1952، انقطع فيها نجيب محفوظ عن الكتابة، ليبدع بعدها الرواية الأكثر جدلاً!
انتهج فيها أسلوبًا رمزيا يختلف عن أسلوبه الواقعي، والمتأمل للرواية يدرك أن محفوظ لا يطرح فكرة موت الإله التي طرحها "نتشه"، بل قدم محفوظ فكرة موت الرمز -الجبلاوي- في نفوس أهل الحارة لطول غيابة وانقطاعه عن الظهور، تزامناً مع ظهور العلم الحديث -عرفه- ومحاولة قتل الجبلاوي الفاشلة، لترسيخ فكرة مادية الكون!
لذلك ارسل الإله المرموز له بـ "الجبلاوي" رسالة إلى عرفة بأنه راضٍ عنه قبل موته، أي أن الإله لا يحزنه فكرة موته في معتقد الناس التي يرسخها العلم الحديث، إن كان ثمة نفع يقدمه العلم للبشرية، لكن سرعان ما سيدمر العلم نفسه بنفسه، بإختراع كل الشرور والدمار والقنابل التي حلت محل النبابيت والفتوات في الحارة. كأن نجيب محفوظ أراد بهذه الرواية شرح مفصل ومطول للآية القرآنية :
﴿حَتَّىٰ إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ ۚ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ الآيات.
-الرواية لا تخلو من خلفية اجتماعية، رغم أنها تستوحي من قصص الأنبياء إلا أن هدفها ليس سرد حياة الأنبياء في قالب روائي بل الاستفادة من قصصهم لتصوير تعطش المجتمع الإنساني للقيم التي سعى الأنبياء لتحقيقها كالعدل والحق والسعادة.
الجبلاوي رجل يعيش في صحراء المقطم، في قصره حيث الحديقة المحاطة بأسوار عالية. يعيش مع أبنائه في قصره، يترك إدارة الممتلكات إلى أدهم بدلاً من ابنه الأكبر إدريس. إدريس، الذي تمرد على والده وطُرد من القصر، يخدع أدهم في الخيانة. خرقًا لـ وعد والده، طُرد أدهم مع زوجته، وقضى حياته في منزل مدمر بالقرب من القصر، في انتظار أن يغفر والده له. (قصة خلق آدم وتمرد إبليس وطردهما إلى الأرض بعد غواية إبليس لآدم لمخالفة تعليمات الإله)
يتكون العمل، الذي تطور حول حياة أبناء وأحفاد أدهم، من خمسة فصول يذكر فيها الشخصيات التي ترمز إلى أنبياء الأديان السماوية.
أدهم (آدم)
تبدأ القصة عندما قرر الجبلاوي الراحة والتخلي عن إدارة أرض الوقف لأحد أبنائه. فالأرض هي مصدر الحياة لأهل الحارة ومصدر النكبات. لا يجب التحكم في الوقف من جانب واحد، بل يجب استخدامه معًا، لأن العالم وقف الله للبشر. يختار الجبلاوي إبنه الأصغر أدهم كي يمنحه إدارة الوقف لأنه يعرف أسماء المستأجرين كما يعرف طباعهم، ولعلمه بالقراءة والكتابة وقواعد الحساب، فيغضب إدريس ويثور على الجبلاوي ظنًا منه بأنه الأحق بإدارة الوقف من أدهم لأنه الابن الأكبر ولأنه ابن هانم ذات حسب ونسب، فيعاقب الجبلاوي إدريس بالطرد من القصر، وحين يستقر الحال لأدهم يطلب من أبيه أن يزوجه بأميمة، فيفرح الجبلاوي أملًا منه أن ينجب أدهم ذرية صالحة، فبعد طرد إدريس، ولكون عباس وجليل عقيمان، ورضوان لا يعيش له أبناء، لم يتبقى للجبلاوي أملًا في امتداد سوى نسل ابنه أدهم، يتزوج أدهم من أميمة، لا ينسى إدريس حقده القديم على أدهم، ولا يكف عن مضايقته والمجاهرة بالتمرد على الجبلاوي، بارتكاب أفحش الأفعال، وقول أقذع الأقوال، وبمخالفة الشروط العشر التي حددها الجبلاوي (وهي ما فسرت على أنها وصايا الله العشر). وذات مرة يذهب إدريس لأدهم ويغريه بالاطلاع على حجة الوقف التي يخفيها الجبلاوي عنهم جميعًا في صندوق فضي في غرفة يحرم عليهم أن يدخلوها، تحرض أميمة زوجها على فتح الصندوق لسرقة الحجة ومعرفة ما كتب فيها، وحين يشرع أدهم في فتح الصندوق يراه الجبلاوي ويطرده خارج القصر.
يسكن أدهم الحارة حيث يعاني الفقر والفاقة والندم على خطيئته، والحسرة على النعيم الزائل، ويضطر لبيع الخضر لكسب العيش، والسكن في كوخ فقير. تنجب أميمة ولدان هما همام وقدري، الذان يكبران فيقتل أحدهما الآخر بدافع الحقد والغيرة، حين يدعو الجبلاوي همام للعيش معه في البيت الكبير دون أخيه قدري. يتزوج قدري من هند ويأتي أبناءهما، وأحفادهما جبل، ثم رفاعة تباعًا إلى الحارة لتخليص أهلها من تجبر الفتوات الظالمين.
جبل (موسى)
يضطهد الناظر وفتواته عائلة حمدان -بني إسرائيل- ويقتل أبناءها الذكور، وحين يولد جبل تخفيه أمه في حفرة في الأرض خوفًا عليه من القتل، فتجده زوجة الناظر التي لا تنجب وتربيه في بيت الناظر حتى يكبر ويقتله بعد أن يقابل جده الجبلاوي في البيت الكبير ويأمره بذلك لتخليص الحارة من ظلمه، واستعادتها من الفتوات كي يسودها العدل.
رفاعة (عيسى)
يموت جبل فتقع الحارة من جديد تحت سيطرة الفتوات المستبدين، فيأمر الجبلاوي رفاعة بالوقوف أمام ظلمهم، يدعو رفاعة الناس إلى الزهد ونبذ الشرور، وأطماع الدنيا فيلتف حوله البعض ويصدقونه، مما يثير غضب الفتوات ليقرروا قتله. إلا أن عائلته لا يجدوا جثته فيتناقل الناس كلامًا مختلفًا عن أن الجبلاوي قد أنقذه من الموت وأخذه ليعيش معه في البيت الكبير.
قاسم (محمد)
ينشأ قاسم يتيمًا دمث الخلق في بيت عمه زكريا بحي الجرابيع، ويرعى الغنم لأمرأة ثرية تدعى قمر تطلب منه الزواج، فيتزوجها ويدير شؤونها، وذات مرة يرسل إليه جده الجبلاوي خادمه قنديل ليحضره إليه وحين يقابله فإذ به يأمره بالقضاء على ظلم الفتوات، وإعادة العدل إلى أطناب الحارة. ويبدأ قاسم في دعوة الناس إلى الثورة على الفتوات، ويلتف حوله الجياع والمستضعفين، والمتسولين، وحين يحاول الفتوات قتله يجد قاسم أنه لا مناص من الهرب خارج حي الجرابيع والسكنى في حي جديد مع أصدقاؤه ومن تبعوه، ثم يعود ذات يوم مع أتباعه ويستطيعوا القضاء على الفتوات وناظرهم، فيحكم الحارة ويسود العدل، ويحكم من بعده صادق الذي يسير على خطاه. يتفرق الناس بعد وفاة صادق فيرى بعضهم أن حسن هو الأحق بإدارة الحارة والوقف لأنه من نسل قاسم، بينما يرفضه البعض، فيُقتل حسن وتتفرق الأحياء ويتناحر أهلها فيما بينهم، يصبح لكل حي فتوته فتسفك الدماء ويجثم عليها الظلم، ويتمنى الناس لو عادت أيام قاسم وصادق مرة أخرى.
عرفة (العلم)
يأتي عرفة ليسكن الحارة ويبهر أهلها بما يصنعه من أعاجيب في معمله تشفيهم من كل داء وتحل مشكلاتهم، فيحترمه الجميع بمن فيهم الفتوات والناظر، ويسمع عرفه ما يحكيه الناس عن البيت الكبير، والجبلاوي، وجبل، ورفاعة، وقاسم فلا يصدق حرفًا، فيبحث عن البيت الكبير ويحاول التسلل إليه عبر نفق يصنعه في الأرض، ويظن أنه قتل الجبلاوي عن طريق الخطأ.
تعيد القصة إنشاء التاريخ المترابط للديانات الإبراهيمية التوحيدية الثلاثة (اليهودية، والمسيحية، والإسلام)، والتي تم تصويرها بشكل رمزي ضد وضع حارة القاهرة الخيالية في القرن التاسع عشر. ادعى النقاد أن الجبلاوي يمثل الله. ورفض محفوظ ذلك قائلاً إنه يؤيد «فكرة معينة عن الله صنعها الناس» وأنه «لا شيء يمكن أن يمثل الله. الله ليس مثل أي شيء آخر. الله عظيم». -
نشرت الرواية في العام 1959
وعدد صفحاتها 553 صفحة
ستكون الرواية من أمتع ما قرأت في حياتك، وتترك أثر عظيم في نفسك، إذا ما كنت قادراً على وضع خط فاصل بين الرمز والمرموز.
#أولاد_حارتنا
#نجيب_محفوظ
#فيلسوف_الرواية
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك