بردت القهوة يا أمي
وتتعطل قواك فجأة ، وتشعر أنك ثقيل ، ويخذلك الألم ، وتعتزل الناس ، وتهمس الحياة في اذنك مهما كبرت ومهما اشتد بياض شعرك ، ونظرت بجوارك على هذا الكم من الأدوية ، قطرات للعين ، ونظارة القراءة وأخرى للمشي وثالثه للحياة ، وفتحت علبه المسكن والمضاد وتجلس بجوار فنجان القهوة حتى يبرد ، حتى تتحمل متاعب الأسنان وما تبقى منها شاهدا على أنك لسه كائن حي بتعرف تأكل وتشرب.
ـ تحن للطفولة ، ويد أمك على جبهتك ، وصوتها المرتعش أنت مولع نار ، بسرعة كمادات المياه ، ودواء مر لازم الحرارة تنزل ، وتعامل معامله تانية مزيج من الطيبة والشراسة في اخد الدواء ، والأكل والتعليمات ، في لحظة تحس أنك نفسك تتعاقب بالأكل المسلوق ، وبالأدوية وطعمها المر ، وبنظرات العطف والحنان ورجفه الأيادي المرتعشة حبا وخوفا .
ـ يا ... كيف مر كل هذا الزمان ؟ وماذا تنتظر ؟
ـ كانت دائما ما تقول لي : يا ابن قلبي ، هل ستظل رحال من مكان إلى مكان ؟ كنت أقول باسما : أحب الحرية ، لا أعرف القيود ، لست عصفورا ملونا لكي أعيش داخل قفص ، انتظر ، واراقب الحياة وأتمنى أن أكون طائرا في فضاء الله ، التقط ما يكفيني ، وأنعم بكل ما في الطبيعة من جمال.
ـ قالت لي : ستكبر يوما ما ، وستفلت الحياة منك ، وقتها ممكن تتمنى أنك يرجع بك الزمن ، وتختار ما هربت منه الآن ؟
ـ نعم كبرت يا أمي ولم استطع أن اتحرر ، خوفي على أولادي ، ومتغيرات الزمن ، جعلني مقيدا ، حتى الحياة من خلف القضبان ، لم تعد تمنحني القدرة على الاختيار ، على الرفض ، استسلمت للبقاء لكي لا تنكسر متطلبات الحياة.
ـ نعم كبرت وادركت لكي تعيش ، يجب أن تتحمل كي تحصل على ابسط مقومات الحياة ، من ضعفك وخوفك ، من ألمك حين تدرك أنك وسيله ، وأن العالم أكثر شراسه ، وأن المتغيرات تحددها أهداف الآخرين ، وأننا جميعا داخل رقعه الشطرنج ، تحركنا الأيادي وفقا للأدوار ، ممكن تكون " حصان " أو " طبيه " أو مجرد " عسكري " ..
ـ ليت الزمن يعود وأعيش عصفورا ملونا في قفص ، اراقب حريتي ، وانتظر شربه ماء وكسره خبز ، فالحياة خارج القفص أكثر قيودا ، وللقيود بقيه ، فالآن موعد المسكن وقطرة العين وبردت القهوة ، برود الأيام والساعات والانتظار والخوف من أن تتحرر من نفسك وكل شيء !!
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك