سرد الذاكرة وتحوّلات الهوية في "دكان حبيبة"
تبدأ النوفيلا من عنوانها «دكان حبيبة» الذي يحيلنا مباشرة إلى فضاء المكان – الدكان – وإلى اسم شخصي/رمزي – حبيبة – بما يفتح أفق التأويل بين كونه دكانًا للورد، ومكانًا لبيع الجمال، وفضاءً تتقاطع فيه حكايات الناس. العنوان ذو إيقاع بسيط وشفاف، لكنه يخفي وراء بساطته شبكة من الدلالات، الدكان ليس مجرد محل تجاري، بل مسرح صغير للحياة اليومية، ومختبر للعلاقات الإنسانية. أما «حبيبة» فتجمع بين كونها ابنة عم سعيد بائع الزهور وبين كونها استعارة للحب نفسه، للحياة التي تُستعاد وتُعاش رغم العثرات.
الإهداء الذي تتوجه فيه الكاتبة إلى حفيدها هارون، يحمل بعدًا شخصيًا وذاتيًا واضحًا. فهو بمثابة إعلان أن النص ليس مجرد حكاية متخيلة، بل هو أيضًا دفتر ذاكرة، تُسكب فيه مشاعر بين الماضي والحاضر، الحقيقة والحلم. هنا تتضح النبرة الأولى للرواية، السرد ليس فقط سردًا
للأحداث، بل هو
وصية للأجيال القادمة.
بهذه العتبات، يجد القارئ نفسه أمام نص يتأرجح بين الخاص والعام، الذاتي والجماعي، بين سيرة امرأة وتجربة جيل، حيث تتحول تفاصيل الحياة اليومية (الجامعة، الأصدقاء، الرحلات، الزواج، الأزمات) إلى مادة روائية.
السرد والشخصيات
تُروى الأحداث بضمير المتكلم، وهو ما يضفي عليها طابع السيرة الذاتية/المذكّرات، لكن مع بناء سردي يمنح الشخصيات الأخرى حضورًا مؤثرًا. الساردة – التي يمكن قراءتها كصوت الكاتبة أو قناعها الروائي – تنطلق من صورة دكان الزهور وابتسامة عم سعيد، لتستعيد عبر تيار الذاكرة محطات متفرقة من حياتها، الطفولة، الجامعة، الصداقة، الحب، الزواج، الأمومة، العمل، الانعطافات الاجتماعية، وأخيرًا مواجهة جائحة كورونا وما فرضته من قسوة وعزلة.
شخصيات الرواية تتوزع بين الساردة/الراوية، وهي المحرك الأساسي للنص، تحضر بوعيها الذاتي الحاد، وبقدرتها على تحويل الخاص إلى مشترك إنساني. ثم عم سعيد، بائع الورد، وهو رمز البهجة والبساطة، الذي يطلّ دائمًا بابتسامة وهدية صغيرة من الجمال. إنه أشبه بالراوي الظلّي، شاهد الحياة اليومية الذي يذكّر البطلة بالحب. والأسرة وهي محور التجربة العاطفية والإنسانية. (الأب والأم، ثم الزوج، ثم البنات شمس وقمر ونور)، تتحول الأمومة هنا إلى أحد أعمدة السرد، ليس فقط كحدث بيولوجي، بل كقيمة وجودية ومصدر للمعنى.
وهناك أيضا الأصدقاء في الجامعة (نبيلة، أسامة، طلال، يسرا…)، وهم يمثلون زمن الصبا والتفتح على العالم، حيث التجارب الأولى في الحب والخيانة والصداقة والفقد. ثم الأزواج والزملاء، وهم يظهرون كعلامات على الانعطافات الحاسمة في الحياة، بين العمل والعاطفة.
اللافت أن الشخصيات لا تُقدَّم في هيئة نماذج درامية ذات صراع خارجي مكثف، بل تُقدَّم في لوحات مشهدية، حيث يحتل السرد الداخلي والتأمل النصيب الأكبر. هذه التقنية تجعل الرواية أقرب إلى نوفيلا الذاكرة منها إلى الحكاية التقليدية.
الزمن والذاكرة
زمن الرواية ليس خطيًا، بل هو زمن متشظٍ يقوم على الاسترجاع والاستدعاء. الدكان – بوصفه صورة افتتاحية – يعمل كـزناد للذاكرة: تمر البطلة أمامه، فتستعيد تفاصيل ماضٍ بعيد. الزمن هنا يتحرك في اتجاهين، أولهما الماضي المستعاد، الطفولة على شاطئ نصف القمر، ذكريات الصديقات، حفلات الجامعة، الحب الأول، الزواج، بناء البيت الجديد. هذه الاستعادات تُكتب بلغة حالمة، تناسب حالة الحنين، وتحوّل اليوميات العادية إلى مشاهد شعرية.
والاتجاه الثاني يتمثل في الحاضر المعيش، حيث البطلة على الشرفة مع ابنتها، تواجه أزمات الواقع، من خلافات الحياة الزوجية إلى جائحة كورونا وما تسببه من قلق وفقد.
يُنتج التقاطع بين الزمنين جدلية الذاكرة والهوية، من أنا اليوم؟ من كنت؟ وما الذي بقي وما الذي ضاع؟ تتنقل الساردة بين هذه الطبقات الزمنية بمرونة، كأنها تنسج سيرة لا تخضع للترتيب التاريخي بل للتداعي العاطفي، والذاكرة هنا ليست مجرد مخزن للصور، بل هي قوة مُشكِّلة للهوية. لذلك يمكن القول إن «دكان حبيبة» هو نص عن كيف نصير ما نحن عليه من خلال ما نتذكره وما نرويه.
الجماليات اللغوية والمشهدية
لغة الرواية لغة عاطفية شفافة، تميل إلى السرد التفصيلي والوصف الحسي. كثير من المقاطع تُكتب بإيقاع شعري، وصف الزهور، البحر، لحظات الغروب، حفلات الغناء، وحتى الأزمات، وتشتغل الكاتبة على بناء مشهدية واضحة، دكان الزهور بألوانه وروائحه وأغاني المذياع، قاعة المحاضرات في الجامعة، ثم حفلة محمد منير، مشاهد الشاطئ، البحر، الفريسكا، البونسيانا، التي تتحول إلى فضاءات للبوح والتأمل، الشرفة، بوصفها مكانًا للكتابة والتأمل والحوار مع الابنة.
تتكرر استعارات الورد والبحر والشمس لتعمل كرموز كبرى، فالورد رمز للحب والجمال، البحر رمز للامتداد والذاكرة، الشمس رمز للأمل والنهار الجديد، كما يظهر في النص نزوع واضح إلى تأنيث اللغة، فالساردة تؤكد حضورها كامرأة تروي تجربتها دون وساطة، تمنح صوتها للأمومة، للصداقة النسوية، للحب كطاقة حياة.
مرايا التحولات
تنجح عزة عز الدين في كتابة نص يجمع بين بساطة السرد وشفافيته وبين غنى المشهدية ورموزها. كما أنه بمثابة شهادة على جيل عاش بين الخليج والقاهرة، بين الطفولة والجامعة، بين الحلم والخيبة، بين الجماعة والعزلة. بحيث يمكن أن نعتبر "دكان حبيبة" مرآة لتحولات المجتمع المصري والعربي خلال العقود الأخيرة، من الطفولة في الخليج حيث القوانين الاجتماعية الضابطة أو الضاغطة حياة الفتيات، إلى العودة للدراسة في مصر بجامعاتها الصاخبة، من الهدوء النسبي لثمانينيات وتسعينيات القرن العشرين، إلى الأزمات المتلاحقة، غرق العبارة «السلام»، ثورة يناير، ثم جائحة كورونا، ومن نمط الأسرة الممتدة والعلاقات الحميمة بين الجيران، إلى عزلة العمارات الحديثة حيث لا يعرف المرء جاره.
أيضا ترصد الرواية تحولات دور المرأة، من بنت في الجامعة تحلم بالحب والعمل، إلى زوجة تواجه خيبات الزواج، إلى أم تعيش قلق الأمومة، إلى كاتبة تخوض معترك الإعلام والثقافة. في هذا الانتقال، تتجلى صورة المرأة المقاومة، التي تحوّل التجارب القاسية (خيانة، فقد، مرض) إلى قوة للكتابة وإعادة إنتاج الذات.
كذلك يحضر الغناء والشعر بقوة، أم كلثوم، فيروز، نزار قباني، محمد منير… كلها علامات ثقافية تشكل الذاكرة الجمعية لجيل بأكمله. إدخال هذه العلامات في السرد يحوّل النص إلى أرشيف وجداني لجيل عاش تحولات السياسة والثقافة.
كما يبرز النص نقدًا اجتماعيًا ناعمًا، خيانة الصديقة التي أخفت خبر المنحة، غياب الصديقة «نبيلة» بلا أثر، تناقص الود بين الأزواج، جفاء الجيران الجدد… كلها شواهد على هشاشة الروابط في زمن التحولات.
وأخيرا فإن نوفيلا "دكان حبيبة" ليست حكاية عن دكان ولا عن شخصية بعينها، بل هي نص عن قوة التذكر، عن تحويل اليوميات العابرة إلى سرد يبقى. ما يميز النص هو قدرته على أن يجعل من التفاصيل الصغيرة – وردة يهديها عم سعيد، أغنية في حفلة، رحلة للبحر، شرفة في بيت جديد – علامات على معنى أوسع: معنى الحب والحياة والذاكرة.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك