معادلة الكذب
جالس على أريكة المستشفى النفسي، يحدق في السقف البارد، يحاول جاهدا أن يتذكر أي شيء حقيقي عن طفولته. قال للطبيبة إنه لا يعرف تحديدا أي الذكريات ملك له وأيها صنعها ليقنع الآخرين بشخصية لا يملكها. لم يكن يعلم أن الطريق إلى هذا المقعد يبدأ بخطوة صغيرة جدا، بكذبة بيضاء يتساهل معها الإنسان ظنا منه أنها لا تضر، فيغرس بذرة تمتد جذورها في تربة الروح حتى تعصف بالشجرة من أصلها.
عندما يقول الإنسان الصدق، فإنه لا يفعل أكثر من أن يطلق العنان لنهر يجري في مجراه الطبيعي. الروابط العصبية في تلك الحالة تسلك طريقا معبّدا، كالقطار الذي يسير على قضبان حديدية لا تحيد قيد أنملة. تشير الدراسات إلى أن الدماغ في حالة الصدق تكون في لحظة من السكون الداخلي، حيث لا معارك تشتعل في قشرة الفص الجبهي، ولا إنذارات تطلقها اللوزة الدماغية، ولا استنفار للخلايا العصبية التي تراقب الأخطاء وتقيّم النوايا. الصادق يكون أمنا، والصدى يعود إليه صافيا لا شائبة فيه.
أما الكذاب، فحكايته مختلفة. عندما يقرر أن يقول غير الحقيقة، يتحول دماغه إلى ساحة معركة ضروس. اللحظة التي يسبق فيها الكذب هي لحظة استنفار قصوى، ما يفعله الكذب بالدماغ ليس مجرد خدش سطحي يزول بزوال الموقف، بل هو حفر عميق في طبقات الذاكرة والوعي. وليس أغرب من أن ينسى الكذاب تفاصيل كذبته، ليس لأن ذاكرته ضعيفة، بل لأن عقله كان مشغولا بمعركة أعظم، معركة كتمان الحقيقة التي تمردت عليه من أعماق وجدانه. حين يختار الإنسان أن يقول غير الحقيقة، يفتح في جسده معركة صامتة لا ترى بالعين المجردة، لكنها تترك آثارا كيميائية وفيزيائية في كل خلية. في البدء، يكون الحمل الإدراكي الزائد هو الثمن الفوري، مناطق الدماغ المسؤولة عن كبت الحقيقة تعمل كالمحرك الذي يدور بسرعة جنونية، فيما تظل الحقيقة المكبوتة تنبض في الخلفية كجرس إنذار لا يتوقف.
الإنكار يؤثر على ذاكرة الحديث عن الحدث نفسه، بينما الاختلاق يؤثر على ذاكرة الحدث الأصلي. أي أن الكذاب الذي ينكر ما حدث قد ينسى أنه تحدث عن الموضوع أصلا، والذي يختلق تفاصيل جديدة قد ينسى ما كان حقيقيا وما كان مختلقا. وفي أعماق الدماغ، حيث تتشابك المشاعر مع القرارات، تحترق طاقة هائلة. الدراسات العصبية تؤكد أن القشرة الجبهية المسؤولة عن الوظائف التنفيذية العليا تستهلك طاقة مضاعفة في حالة الكذب. الفص الجبهي مسؤول عن التخطيط والكبت والمراقبة، لكن هذه الوظائف نفسها هي التي تحدد كيف سيتذكر الكذاب كذبته لاحقا. من يملك قدرة أكبر على تحويل الانتباه قد يتذكر بشكل أفضل، لكن من يملك قدرة أقل على كبت الحقيقة، ستتهاوى أمامه ذاكرة الكذب كبيت من قش. وهكذا، حين يُسأل الكذاب بعد شهر عن تفاصيل ما قاله، ينظر إليك بعينين زائغتين، ليس لأنه يخادعك الآن، بل لأنه خادع نفسه أولا، فأضاع في دهاليز دماغه خريطة المتاهة التي رسمها بيديه.
اللوزة الدماغية، ذلك المركز العاطفي الصغير، تضيء حين يكون الكذب موجها نحو التفاعل الاجتماعي. إنها تطلق إشارات الخوف والقلق، تخبر الكذاب أنه على حافة الهاوية. وهذا القلق يشتت الانتباه، يسرق من الذاكرة ما كانت ستحتفظ به لو كانت هادئة مطمئنة. كل كذبة تترك أثرا كيميائيا، كل توتر يمحو تفصيلا.
من هنا، حين نرى إنسانا يتناقض مع نفسه بعد أسابيع، ناظرا إلينا ببراءة المصدوم، لا نتعجل باتهامه بأنه يكذب مرة أخرى. قد يكون ضحية لذاكرته التي دمرها عبء الكذب الأول. لكن الأكثر إيلاما هو ما يحدث للذاكرة على المدى البعيد. الذاكرة البشرية هي نسيج حي يعيد تشكيل نفسه مع كل استدعاء للمعلومة. حين يروي الكذاب قصته المختلقة مرات متكررة، يبني في دماغه مسارات عصبية جديدة تتعزز مع كل تكرار. بمرور الوقت، تضعف المسارات المرتبطة بالحقيقة لعدم استخدامها، وتقوى مسارات الكذب لأنها الأكثر نشاطا. إنها مفارقة لطالما حيرت علماء الأعصاب، الكذاب لا يكذب على الآخرين فقط، بل يخدع دماغه نفسه، فيصبح ضحية أولى لكذبته. مع السنوات، قد يروي قصصا، يعتقد أنها حقيقية، بكل جوارحه، يبكي على أحداث لم تحدث، ويغضب من ظلم لم يقع، في مشهد تراجيدي يعجز المسرح عن تقديم مثله.
أما الصحة النفسية، فلها حكاية أخرى. الكذب المزمن يسكن في منطقة الظل من الروح، حيث لا يصل ضوء المراجعة الذاتية. يحيا الكذاب في حالة إنذار دائمة، يرقب كلماته، يتحسس نواياه، يخاف من انكشاف أمره حتى في أحلامه. هذا التوتر المزمن يرفع هرمون الكورتيزول في الدم بشكل مستمر، فينهك الجسد ويهدد القلب ويخلق دوامة من القلق لا تنتهي. كثير من الدراسات ربطت بين الكذب المرضي واضطرابات القلق والاكتئاب، لأن الكذب سبب رئيس فيها. كيف لا يكتئب من يعيش في سجن من صنع يديه، كل قضبانه كلماته الملتوية، وكل جدرانه وجوه الذين خدعهم.
الصحة العقلية تدفع ثمنا أعظم. العقل الذي يعتاد الكذب يفقد بصيرته الأخلاقية، تصبح الخطوط بين الخير والشر ضبابية، بين الحقيقة والوهم هشة. مع الوقت، قد لا يعود الكذاب قادرا على تمييز الدوافع الحقيقية لأفعاله، يعيش في حالة من التوهان. بعض الدراسات في علم الأعصاب تشير إلى أن الكذب المزمن يسبب تغيرات في المادة الرمادية في الدماغ، تحديدا في المناطق المسؤولة عن التعاطف والضمير، وكأن الكذب يمارس نحتا بطيئا في كيان الإنسان الأخلاقي. مع مرور الوقت، ومع تكرار الكذبة، تضعف الدوائر العصبية المسؤولة عن تخزين الحقيقة، وتقوى تلك المسؤولة عن تخزين الكذبة لأن الدماغ يعامل ما نكرره كما يعامل ما حدث فعلا. التكرار يبني مسارات عصبية جديدة، قوية كأي مسار بنته الأحداث الحقيقية. لكن الأعجب من ذلك أن هذا التصديق لا يكون كاملا أبدا. في أعماق الدماغ، في مناطق لا تصلها يد الوعي، تبقى بقايا الحقيقة الأولى كشبح يتربص. قد تظهر في أحلام مزعجة، أو في لحظة سهو عابر، أو في ذلك الإحساس الغامض بالقلق الذي ينتاب الكذاب كلما اقترب أحد من تفاصيل معينة. إنها فطرة الجسد العصبية التي لا تخون؛ فالحقيقة لا تموت تماما، بل تدفن حية، وتظل تضرب بجذورها تحت سطح الذاكرة، وكلما بنى الكذاب فوقها طوابق جديدة من الأكاذيب، صار الانهيار أعمق حين يحين الوقت.
وهكذا، حين نرى شخصا ينهار تحت ثقل أكاذيبه، لا نكون أمام لحظة فضح عابرة، بل أمام انهيار تراكمي لسنوات من التوتر والقلق وفقدان الذاكرة. الرجل الذي جلس على أريكة المستشفى النفسي لم يصل إلى هناك بين ليلة وضحاها. وصل بعد آلاف الليالي التي أُرقت فيها عينيه وهو يعيد ترتيب قصصه، بعد آلاف المواقف التي تطلبت منه جهدا مضاعفا ليبدو طبيعيا، بعد سنوات من الحفر في ذاكرته حتى صارت مثل أرض بور لا تحمل إلا أشواك الأكاذيب. عندما سألته الطبيبة عن أول كذبة قالها في حياته، بكى طويلا ثم اعترف: "لا أذكر، ربما كنت صغيرا جدا، لكني أذكر أنني شعرت للحظة بقوة غريبة حين صدقني الناس. لم أكن أعلم أن هذه البذرة ستنمو لتصبح غابة تخنق كل شيء جميل في داخلي".
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك