قبل أن يسبقني الرحيل..
في بعض المراحل من أعمارنا، نصبح في حاجةٍ ماسّة إلى مصاحبة ذواتنا، والجلوس معها بعيدًا عن صخب الأيام، وضجيج الادّعاء، وصراخ الكراهية الكامنة في صدور البعض. نلوذ بأنفسنا لا هروبًا من الحياة، بل بحثًا عن لحظة صفاء نعاتب فيها أرواحنا، ونفتّش عن أخطائنا، ونحاول ترميم ما أفسدته قسوة الآخرين وعبثهم.
نسأل أنفسنا بدهشة: كيف يستسلم البعض لكل هذا الفساد، وهم يدركون يقينًا أننا راحلون لا محالة؟ راحلون، ولن يبقى منا سوى أثرٍ طيب أو ذكرى عابرة، سوى سيرةٍ تُروى وعملٍ صالح يشهد لنا أو علينا.
فتجيب النفس في هدوء العارف: تلك هي الحياة… دار ابتلاءٍ وعناء، يتجاور فيها الظلم مع الرحمة، والحقد مع الصفح، والفساد مع النقاء. فيها من أنهكهم الوجع فآثروا العزلة، واحتموا بظلال الصمت، ظنًّا منهم أن الانسحاب نجاة، وأن الابتعاد راحة.
لكن هل تكون العزلة حلًا حقًا؟ وكيف نمضي في دروب اعتدناها دون احتكاك بالبشر؟ وكيف نتلقى طعنات متتالية من أقرب الناس إلى قلوبنا، ممن ظنناهم حصنًا وأمانًا؟
حين أواجه نفسي، أجد المواجهة أثقل مما أحتمل. أكتشف أنني كنت، أحيانًا، أكثر الناس قسوةً عليها. أنا من تنازل عن حقوقها، أنا من أرهقها بالصمت، أنا من حمّلها ما لا طاقة لها به. لم أواجه… وتلك هي الحقيقة.
أتساءل: هل أظل هكذا أسيرة تأنيبٍ لا ينتهي؟ أم أملك شجاعة الصفح عن ذاتي؟ هل يمكن التوبة إلى النفس كما نتوب إلى الله؟ وهل يمكن ردّ الحقوق المسلوبة إليها قبل أن يداهمنا الندم؟
أدرك الآن أن عليّ أن أتصالح معها قبل فوات الأوان. أن أهدّئ روعها، وأمسح عنها غبار السنين، وأن أجلس معها تحت ظل شجرة وارفة أمام بيت العمر، في دفء شمسٍ صادقة لا تعرف الزيف. سأحتضنها وأعتذر، علّها تقبل اعتذاري، فهي لا تستحق إلا الخير؛ إذ لم تعرف يومًا طريق النفاق، ولا سلكت درب الكذب أو الحسد أو الحقد… رغم اقتراب المشيب.
سلامٌ إلى نفسي…
إلى الصديق الأقرب، والأوفى، والأحنّ.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك