من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

المتنبي والمعري: سيرة الإنسان الأعلى عند نيتشه

شمس المولى
المتنبي والمعري: سيرة الإنسان الأعلى عند نيتشه


فنجان قهوة مع نيتشه 5



الأفكار اليوم كثيرة تتخبط في رأسي، أحاول ترتيبها فلا أجد إلى ذلك سبيلًا. من أين يمكنني البدء اليوم؟ نظرتُ إليه، كان يرشف قهوته، ثم يتبع الدخان حتى يختفيا معًا. كيف أقول له ما أفكر فيه؟ أنني قرأت كتابًا للعقاد أفرد فيه فصلًا كاملًا يربط فيه بين فكرته عن الإنسان الأعلى وبين شخصية المتنبي.

يقول المتنبي في بيته الشهير:

الخيلُ والليلُ والبيداءُ تعرفني

والسيفُ والرمحُ والقرطاسُ والقلمُ

هذا ليس فخرًا عاديًا، بل إعلان عن إنسان يرى نفسه معيارًا. يرى المتنبي في نفسه هذه الذات القادرة على الخلق والإبداع، الذات التي يحق لها أن تصنع قيمها وأفكارها. صحيح أن نيتشه دعا إلى الإنسان الأعلى، لكن المتنبي عاشه في زمن سابق.

وبعد قراءة فصل «عبقرية المتنبي» للعقاد، راودتني فكرة أخرى: أن الإنسان الأعلى تجسّد بشكل أكثر عمقًا وأبعد دلالة في شخصية عربية أخرى قديمة، وهي شخصية أبي العلاء المعري.

يقول المعري في اللزوميات:

"فلا تحملنَّ رأي امرئٍ غير رأيك"

إنه استقلال القيمة. المعري هنا لا يطلب استقلال التفكير فقط، بل يطلب السيادة الفكرية على الذات.

وثانيًا، اختياره العزلة بإرادته الحرة، والتزامه بها حتى موته، في حين كان باستطاعته أن يشق لنفسه مكانًا عظيمًا بين علماء عصره. كان بإمكانه أن يمتدح الملوك والأمراء، فيهبوه المكانة الرفيعة التي سعى إليها كثيرون غيره. لكنه، طوال أربعين سنة قضاها في عزلته، لم يضعف مرة واحدة.

فماذا يكون هذا، إن لم يكن إرادة الاقتدار التي يتشكل منها الإنسان الأعلى عند نيتشه؟

لقد تجاوز المعري أوهام الجماعة، فجاءت سخريته واضحة من الحياة وما يتعلق بها. صحيح أن وعيه بالوجود كان مأساويًا، لكنه لم يكن انهزامًا، بل تعاليًا على شروط الوجود نفسها.

الإنسان الأعلى عند نيتشه لا يهرب من الألم، بل يتجاوزه ويمنحه معنى. ولم يكن المعري زاهدًا بقدر ما كان متجاوزًا لعصره، لأنه امتلك الشجاعة أن يكون نفسه، كاملًا، حتى لو كان ذلك يعني أن يظل وحده إلى الأبد.

بدأت أشعر أن الإنسان الأعلى لم يخرج من جبال الألب في أوروبا، ولم يكن مجرد اكتشاف لهذا العقل العظيم الشارد أمامي الآن، بل سبق أن ظهر في شعر المتنبي، واضحًا جليًا، وفي عزلة المعري، صامتًا وفذًا.

وإني على يقين بأن الإنسان الأعلى الذي تحدث عنه نيتشه موجود طوال الوقت بيننا، لا يعلن عن نفسه، متعاليًا عن حاجة الاعتراف، لأنه لا يستمد يقينه من أعين الآخرين، بل من تلك النار الصامتة التي تتقد في داخله.

لإن الإنسان الأعلى ليس ذلك الذي يسعى إلى أن يُرى، بل ذلك الذي يرى بوضوح.


#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

6959
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.