من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

بين "خوارزميات المتعة" وسكون الورق: هل تقتل الشاشات "نفس" القارئ الطويل؟

القاهرة : " نقاش "
بين


لم يعد التحدي الذي يواجه الثقافة اليوم هو "الأمية"، بل "تشتت الانتباه". في عالمٍ يُحكم بقبضة "الخوارزميات"، أصبح الفرد العادي يستهلك مئات المقاطع المرئية يوميًا، كل منها لا يتجاوز 15 ثانية. هذا التدفق المتلاحق خلق ما يمكن تسميته بـ "عقلية التمرير السريع"، حيث يفقد الدماغ قدرته التدريجية على التركيز العميق. لم يعد السؤال الجوهري اليوم هو: "ماذا نقرأ؟"، بل "هل ما زلنا نملك الصبر لنقرأ صفحة كاملة دون الانصياع لإغواء إشعارات الهاتف؟".

صراع الدوبامين والتركيز

من الناحية التحليلية، يمثل تطبيق "تيك توك" ذروة اقتصاد الانتباه؛ فهو يعتمد على منح المستخدم "جرعات فورية" من الدوبامين مع كل تمريرة شاشة (Scroll). هذا النمط من الاستهلاك يتناقض جذريًا مع "فعل القراءة" الذي يتطلب بطئًا مقصودًا وجهدًا تخيليًا لبناء عوالم النص. إننا أمام مواجهة شرسة بين "المتعة اللحظية السهلة" وبين "المتعة المعرفية التراكمية"؛ فالكتاب لا يقدم مكافأة فورية، بل يبني وعيًا طويل الأمد، وهو ما يبدو "مملًا" في نظر جيل اعتاد أن تنتهي الحكاية قبل أن يبدأ في استيعاب أبعادها.

ظاهرة "BookTok": حين يصبح الكتاب "تريند"

وعلى نقيض الصورة القاتمة لصراع الشاشات والورق، برزت ظاهرة (BookTok) كمتنفس جديد للثقافة، حيث لم يعد الكتاب حبيس الصالونات الأدبية المغلقة، بل أصبح بطلًا في فيديوهات قصيرة مبهرة بصريًا. لكن التحليل العميق لهذه الظاهرة يطرح تساؤلًا: هل نروج لمحتوى الكتاب أم لجمالية غلافه؟ إن تحويل القراءة إلى "تريند" ساهم بلا شك في إنعاش مبيعات الكتب الورقية، لكنه في المقابل فرض معايير جديدة على دور النشر، التي بدأت تميل لنصوص "سريعة الإيقاع" تشبه فيديوهات المنصة، مما قد يهدد الروايات الكلاسيكية أو النصوص الفلسفية التي تتطلب تأنيًا ذهنيًا خاصًا.

بين "المعلومة" و"المعرفة": الفارق الجوهري

المشكلة الحقيقية لا تكمن في المنصة كأداة، بل في الخلط بين "استهلاك المعلومة" و"بناء المعرفة". ما تقدمه الشاشات السريعة هو شذرات معرفية، ومضات خاطفة تعطي وهمًا بالثقافة دون عمق حقيقي. القراءة، في جوهرها، هي فعل "مقاومة" ضد هذه السيولة؛ هي استعادة لسيادة الإنسان على وقته وانتباهه. إن اختيار كتاب بدلًا من هاتف هو قرار سيادي بالانفصال عن ضجيج العالم والاتصال بعمق الذات.

العودة إلى السكون

في النهاية، لن يحل "تيك توك" محل الكتاب، كما لم تحل السينما محل المسرح. لكن التحدي يكمن في الحفاظ على "نفس القارئ الطويل". إن الثقافة الحقيقية ليست سباقًا لمن يستهلك محتوى أكثر، بل هي لمن يملك القدرة على الجلوس وحيدًا مع ورق صامت، يسمع من خلاله صخب أفكارٍ قادرة على تغيير حياته. ربما نحتاج أحيانًا أن "نغلق" شاشاتنا لنفتح عقولنا؛ فالكتاب سيظل دائمًا هو النافذة التي لا تنضب بطاريتها، والرحلة التي لا تقيدها خوارزمية.

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

6970
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.