من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

خِــيَــانة المُــثــقـفِـين

هشام بن الشاوي .. المغرب
خِــيَــانة المُــثــقـفِـين


   بعيدًا عن حسابات الربح والخسارة، التي صارت لغة الجميع في عالم براغماتي، هل يمكن أن نعتبر صمت المثقف العربي بطولة أم خيانة  أم تواطؤا !؟ أم نعتبر هذا "المثقف الكومبارس" من الأحياء/ الأموات، والذي لن يجبر أحدًا على تحسس مسدسه، لأنه لمْ ولنْ يحظى بوسام البطل الضد أبداً، وهو يتجاهل كل هذا الخراب المحيط به، ويصر على أن يلطخ حائطه الأزرق بقصائد غزل، غير عابئ بمشاهد قصف الأبرياء وأشلاء الأطفال؟!   


   من أشكال تزييف الحقائق وتجميل الخراب أن: "يذهب عراقيو الخارج مدعوين إلى بلادهم ليساهموا في حفلة تزييف الواقع. فهم يلتقطون الصور في المطاعم والقاعات ومقاه بعينها ومجمعات التسوق كما يفعل الأجانب من غير أن ينشروا صورة واحدة عن الحياة اليومية كما هي من غير تزويق، فهم يحرصون على أن توجه إليهم مرة أخرى"، مثلما كتب فاروق يوسف، وهو ما يتنافى وتعريف جوليان بندا للمثقفين "أولئك الذين لا يسعون وراء المصالح والمكاسب... وتتلخص سعادتهم في الترفع عن ملذات الحياة".

   يتساءل  إدوارد سعيد : هل  ينبغي أن يلتزم هذا المثقف بالحالة النفسية بدعوى التضامن أو الولاء الأزلي أو الوطنية القومية، أم إقامة حجة أرجح لاتخاذ المثقف موقف المنشق الخارج على التشكيلة الجماعية؟ يرد د. سعيد بإيجاز بأنه لا ينبغي للتضامن أن يسبق النقد؛ "فالمثقف دائمًا ما يُـتاح له الاختيار التالي: "إما أن ينحاز إلى صفوف الضعفاء، والأقل تمثيلا في المجتمع، ومع من يعانون من النسيان أو التجاهل، وإما أن ينحاز إلى صفوف الأقوياء"، كما جاء في كتابه "المثقف والسلطة"، وهذا ما يؤكده د. نادر كاظم بالقول إن إدوارد سعيد اعتاد الربط بين المثقف والمنفيّ، فالمثقف حسب إدوارد سعيد، يعيش حالة من النفي الدائم، فهو شخص مغترب وهامشيّ، وفي نزاع دائم مع مجتمعه ومحيطه، ولذا فهو محروم من "كل الامتيازات، والسلطة، ومظاهر الحفاوة والتكريم".


   في كتابه " خيانة المثقفين.. النصوص الأخيرة "،  يشير إدوارد سعيد إلى أن السؤال، الذي يطرح نفسه في فترة ما بعد الحرب الباردة : "هل ستحكم الولايات المتحدة العالم بسياساتها العسكرية- الاقتصادية القذرة، التي لا تعرف سوى الربح والانتهازية؟ والسؤال هل من الممكن تطوير مقاومة فكرية قوية وأخلاقية لسياساتها؟" في مقاله "خيانة المثقفين"، الذي يدين فيه إدوارد سعيد وحشية  التطهير العرقي في كوسوفو، ومادامت الحياة الإنسانية مقدسة، فهو يرى أنه لا ينبغي التضحية بها باحتقار، ويجب على المرء " أن يبدأ مقاومته من وطنه ضد السلطة كمواطن يمكنه التأثير؛ لكن يا للأسف، فقد سيطرت القومية المتدفقة المتقنعة بالوطنية والمصلحة القومية على الشعور النقدي، الذي يضع الولاء لــ (الأمة) فوق كل اعتبار. في تلك النقطة ليس هناك سوى خيانة المثقفين والإفلاس الأخلاقي الكامل".

    وتعليقًا على تقرير اللجنة العالمية للثقافة والتطوير، لاحظ د. سعيد غياب "ذلك البعد الضروري جدا للديمقراطية"، أي كيف يستطيع التعليم أن يشجع الناس كي يفكروا لوحدهم، ليفكروا ضد السلطة والأرثوذكسية، ليفكروا بصيغة الشك والشقاق وليس بصيغة الإذعان والوفاق، لا أن ترى الثقافة في شروط إيجابية تمامًا. "هناك سطر لازمني منذ سنوات كثيرة في مقال عن ( ليوناردو دا فينشي) لشاعر أوائل القرن العشرين الكبير (بول فاليري)، واصفًا عقل (ليوناردو) في قوته وأناقته، يقول (فاليري): إن الفنان الإيطالي لم يستطع التفكير إلا بالجسر كلما فكر بالهاوية. كلام مجازي، الهاوية البديل عما يقدم لنا كثابت ونهائي ومستحيل تجاوزه. بغض النظر عن مدى عمق وصعوبة المشهد الذي قدم نفسه له، كان لدى (ليوناردو) المقدرة للتفكير في بديل ما دائماً، طريقة ما لحل المشكلة، هبة ما لعدم القبول السلبي لما قدم له، كما لو أن المشهد الذي تخيله يمكن دائما تخيله بطريقة مختلفة وربما مفعمة بأمل أكبر".

   ويخلص إدوارد سعيد إلى أن أصعب الأشياء بالنسبة إليه - كمعلّم- أن يعطي طلابه كل ما يعرفه عن الموضوع، ويحاول شرحه بشكل كامل، إلى درجة أن يجعلهم يشعرون بعدم الرضا أو الشك بما قال؛ "الشكوكية هي الخطوة الأولى لتشيد بناء فوق هاوية. إن لم تستطع أن تلهم طلابك لفعل ذلك، إن لم تستطع أن تحركهم ليفهموا بأن التعليم هو تعليم ذاتي فعلاً وليس قبولا بلا نقاش لما يقوله المسؤول ( السلطة) أخيرًا، حينئذ عليك أن تدرك بأنك سلمتهم إلى عبودية فكرية وبالتالي أخلاقية".

   وفي محاضرته "الدور العام للكتاب والمثقفين"  لاحظ إدوارد سعيد أن "هناك عدد كبير من الناس لا يزالون يشعرون بحاجة إلى النظر إلى الكاتب- المثقف كشخص ينبغي أن يُصغَى إليه كمرشد للحاضر المربك، وكقائد زمرة أو جماعة تنافس من أجل قوة أو نفوذ أكبر. ويتضح الأصل الغرامشي لكلتا الفكرتين عن دور المثقف"، وأشار إلى أنه في العالم الإسلامي يتضخم مقام رجل الثقافة أو رجل الفكر في مقارنة ضمنية مع الحكومة، وفي ظل هذا الخواء الأخلاقي الناشئ، الذي أحدثته الحكومات الجمهورية تحول كثيرون إلى "مثقفين دينيين أو علمانيين تابعين لقيادة لم تعد مزودة بحق سياسي، ومع ذلك استطاعت الحكومات أن تختار مثقفين ناطقين باسمها، لكن البحث عن المثقفين الحقيقيين مستمر باستمرار الصراع".  

   وبالنسبة إلى قول الحقيقة للسلطة، فيرى إدوارد سعيد أنه ليس ضربًا من المثالية الخيالية، "بل إنه إجراء موازنة دقيقة بين جميع البدائل المتاحة، واختيار البديل الصحيح، ثم تقديمه بذكاء في المكان الذي يكون من الأرجح فيه أن يعود بأكبر فائدة وأن يحدث التغيير الصائب"، مع تأكيده على أن "الخضوع للسلطة في عالم اليوم يمثل أكبر خطر يهدد الحياة الفكرية والخلقية النشطة".

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

7006
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.