التأثير المعكوس مفتاح لقضايا شائكة
" تأثير الانحياز العكسي "
هي ظاهرة نفسية تشير إلى أنه كلما حاولت أن تقنع شخصاً ما بالبراهين والأدلة والأرقام على أنه على خطأ كلما زاد قناعته بأنه على صواب. مما يجعله يتصرف بعدوانية أكبر مع كل من يتعارض مع معتقداته. اكتشفت هذه الظاهرة من قبل عالم السياسة "برندن نايهان" عام ٢٠١٠.!
كلّما حاولت أن تظهر بطريقة عفوية أثناء التقاط الصورة، كلّما ظهر التكلّف المبذول كي تبدو عفويًا!
ألدوس هكسلي، الكاتب الإنجليزي أشار ذات مرّة في كتابه "بوابات الإدراك" إلى ظاهرة بشرية وإدراكية مثيرة للاهتمام، سمّاها:
قانون الجُهد المعكوس
Law of Reversed Effort
يلتفت القانون إلى الأثر العكسي الذي يحصل كلّما حاولنا تحقيق شيء ما، بطريقة مبالغ فيها
حين نتكلّف ونُفرِط بشكل هاجسي ومأزوم لتحقيق شيء ما، فإنّنا غالبًا سنخسره أو سنحصل على نقيضه تمامًا!
على مستوى علم النفس، ثمّة تطبيقات عديدة لهذا التأثير المعكوس:
أفضل طريقة كي تنام، هي أن تفكّر في شيء آخر غير النّوم
كُلّما فكّرت أكثر بأنّني (ينبغي أن أنام) كلّما اشتدّ الأرق وامتنع النوم!
نلاحظ أيضًا على المستوى التربوي أنّ الآباء المهجوسون كثيرًا بتربية أبنائهم وتصويب سلوكياتهم بطريقة عُصابية وشديدة، هُم أكثر الأبناء إفسادًا لأبنائهم وشخصياتهم!
الأزواج الذين يحاولون السيطرة على العلاقة الزوجية وتفاصيلها بطريقة جنونية، من باب حمايتها والحرص عليها، هُم أكثر الأزواج الذين تنتهي علاقتهم بالانفصال من شدّة محاولات التحكّم والسيطرة!
هذا لا يعني أن نصير مُستهترين أو غير مُبالين بتربية أبنائنا أو إنقاذ زواجنا، ولكنّه يعني أن نمارس قدرًا (مَعقولًا) من التدّخلات الكافية، دون أن نتحوّل لإلهة تحاول السيطرة على جميع التفاصيل.
هذا يعني أيضًا أن نترك مساحة لفنّ التخلّي، التغافل، التسامح، وغض الطرف عن الأخطاء البسيطة والصغيرة والتي لا تتسبّب بأضرار كارثية
بهذا المعنى، نحنُ نترك مساحة للتوكّل والتسليم، ومساحة أخرى كي يكون الآخرون من حولنا: بشر! أن يكونوا واقعيين وليسوا مثاليين كما نتمنّاهم في أذهاننا!
بحسب التحليل النفسي، تُسمّى الحالة التي يكون فيها الشخص كثير الانتقاد للآخرين والذي يحاول بشكلٍ مُفرِط التحكّم بالآخرين وتصرّفاتهم بـ:
عُقدة الإله God Complex
غالبًا ما يتسبّب المُصابون بعُقدة الإله، بتدمير الأشخاص والعلاقات من حولهم وتدمير أنفسهم لأنّهم يرفعون أنفسهم مقام الألوهية وينسون حدودهم البشرية في السيطرة على الأشياء
لا يُعتبر قانون الجهد المعكوس، قانونًا علميًا، ولكنّه من حيث المبدأ العامّ معمول به في كثير من الاتّجاهات العلاجية
خُذ على سبيل المثال الموجة الثالثة والأخيرة من العلاج المعرفي السلوكي وأحد نماذجها المُسمّاة بالعلاج النفسي بالتقبّل والالتزام ACT
وُجد مثلًا أنّ أفضل طريقة للتخلّص من المخاوف والوسواس، لا تكمن في مقاومتها ولا تفكيكها، ولا دحضها أو نقدها وإظهار مدى لا عقلانيتها
بل إنّ محاورة المخاوف وجدالها ومحاولة نقد الوساوس، تؤول غالبًا إلى زيادة حدّتها وشدّتها (تأثير الحلقة المُفرَغة) لأنّ التحاور معها فيه شيء من التعزيز الإيجابي لوجودها بالأساس.
لا يطلب منك العلاج النفسي بالتقبّل أن تتجنّب هذه الأفكار أو أن تهرب منها، بل على العكس تمامًا، العلاج الفعّال يطلب منك الاعتراف بوجودها وتقبّلها ابتداءً وملاحظتها كوسواس أو مخاوف وعدم الهروب منها!
في حالة المخاوف، يُملي عليكَ عقلك استجابة أوّلية متمّثلة بتجنّب مصدر الخوف والتهديد.. وخلافًا لما هو متوقّع، يُؤدّي التجنّب إلى زيادة المخاوف وتعظيمها في النفس
يقوم العلاج السلوكي في حالة المخاوف المُحدّدة في بعض تقنياته على المواجهة المباشرة، العلاج بالغَمر، التعريض المُفرِط لمصدر الخوف.. جريًا على القاعدة التي صاغها سيدنا عليّ بن أبي طالب ببراعة:
"إذا هِبتَ (خشيتَ) أمرًا.. فَقَع فيه!"
أي ألقِ نفسك في الأمر الذي تخشاه وتحاول تجنّبه، هذه هي الطريقة الوحيدة للتحرّر منه!
أحبّ التفكير في (التأثير المعكوس) وكأنّه مفتاح خفي متناثر لقضايا شائكة عدّة في الحياة!
مثلًا انظر للقول الذكي الذي يُنسَب للصدّيق عليه السلام: اطلبوا المَوت.. تُوهَب لكم الحياة
إنّك تجد أنّ أكثر النّاس إغراقًا في الحياة وملذّاتها وأكثرهم إفراطًا في عيشها، هُم أنفسهم أكثر مَن يُواجهون أزمة المعنى ويتساءلون عن غاية وجودهم!
فيما تجد أولئك الذين يُجاهدون ويعيشون تحت وطأة القصف والموت، يحترفون فنّ العيش وتجدهم أكثر تمسّكًا بالحياة وتكثيفًا لمعانيها
يعلّمنا القرآن أنّ حلول كثير من المشاكل لا يكون بالخوض فيها ولكن بالتخلّي عنها والانهماك بنشاط أكثر فاعلية واستقلالية!
مثل الإنفاق أو التصدّق كحلّ للشعور بالضائقة المالية (ومَن قُدرَ عليه رزقه)!
مثلًا حين تتعرّض للأذى والحزن بفعل تشكيك الآخرين وآرائهم حيالك، لا يخبرك القرآن أن تذهب بمنطق صبياني وطفولي نحو القيل والقال فتراجع مَن قال فيما قاله!
ولكن يخبرك أن تركّز على ما يهمّ، على المُنجيات، على الأفعال الحرّة المُستقلّة، كالتسبيح والذكر!
(ولقد نعلم أنّك يضيقُ صدرك بما يقولون.. فسبّح بحمد ربك وكن من الساجدين)
وقد قال العارفون من قبل:
يُقضى بالذكر.. ما لا يُقضى بالفكر!
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك