من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

الشدة المستنصرية !

محمد قنديل
الشدة المستنصرية !


يظل بنى آدم في تحضر، ما لم يوضع الواحد منهم تحت ضغط !

البشر أخيار بقدر ما تسمح لهم الظروف بذلك، فإذا تبدلت الظروف ووقع الخطر، أكل بعضهم البعض .

في العام 1065 - 457ه‍ وقعت الكارثة التي أطلق عليها المؤرخون لاحقاً، الشدة العظمى أو الشدة المستنصرية، فقد وقعت في عهد الخليفة المستنصر بالله الفاطمي، الذي طالت فترة حكمة 60 عام، تولى فيها الخلافة وهو طفل ابن السابعة، عقب وفاة والده!


روى المؤرخون حوادث قاسية، فلقد تصحرت الأرض وهلك الحرث والنسل وخطف الخبز من على رؤوس الخبازين وأكل الناس القطط والكلاب حتى أن بغلة وزير الخليفة الذي ذهب للتحقيق في حادثة أكلوها وجاع الخليفة نفسه حتى أنه باع ما على مقابر آبائه من رخام وتصدقت عليه ابنة أحد علماء زمانه وخرجت النساء جياع صوب بغداد .

كان ذلك بسبب انحسار مياه النيل، واقتتال الجنود في الجيش مغاربة وأتراك وسودان .


ذكرت المراجع أنك كنت تمشي في شوارع القاهرة لا تجد قط ولا كلب ضال، ابتاع الناس الكلب الواحد ب 5 دنانير، بما يساوي 40000ج تقريباً بسعر اليوم 

وأكل الناس بعضهم البعض حرفياً، من كان يحكم عليه بالإعدام كانت تؤكل جثته عقب سقوطها من المشنقة، الخليفة نفسه قعد على الحصير في القصر بعد ان باع أثاث بيته ليقتات، وتغيرت الوزارة 40 مرة في تسع سنين، دون جدوى، ومات في اليوم الواحد أكثر من عشرة آلاف نفس جوعاً وتقلص عدد أهل مصر بشكل ملحوظ كما لم يحدث من قبل .

سُرقت الدكاكين، وتساوى الغني والفقير لأن رغيف الخبز أصبح العملة الرسمية للعباد والبلاد، رمى الناس اللؤلؤ والمجوهرات في الشوارع ولم يعد لها قيمة فلا شاري ولا بائع، اشتري شخص 20 بيت في حارة، بعشرين رغيف وضعهم في طبق كبير وسميت الحارة بحارة طبق إلى الآن، تشكلت عصابات للخطف والذبح وأكل لحوم البشر وأكل القوي الضعيف ! ...

يقول المقريزى فى وصف الشدة المستنصرية: 

«ثم وقع فى أيام المستنصر الغلاء الذى فحش أمره وشنع ذكره وكان أمده سبع سنين. وسببه ضعف السلطة، واختلال أحوال المملكة، واستيلاء الأمراء على الدولة، واتصال الفتن بين العربان وقصور النيل، وكان ابتداء ذلك فى سنة سبع وخمسين وأربعمائة. فنزع السعر وتزايد الغلاء وأعقبه الوباء حتى تعطّلت الأراضى من الزراعة، وشمل الخوف، وخيفت السبل برا وبحرا، وتعذّر السير إلى الأماكن إلا بالخفارة الكثيرة وركوب الغرر، واستولى الجوع لعدم القوت، حتى بيع رغيف خبز فى النداء بزقاق القناديل من الفسطاط كبيع الطرف بخمسة عشر دينارا وبيع الأردب من القمح بثمانين دينارا وأكلت الكلاب والقطط حتى قلّت الكلاب، فبيع كلب ليؤكل بخمسة دنانير، وتزايد الحال حتى أكل الناس بعضهم بعضا، وتحرز الناس فكانت طوائف تجلس بأعلى بيوتها ومعهم سلب وحبال فيها كلاليب، فإذا مر بهم أحد ألقوها عليه ونشلوه فى أسرع وقت وشرحوا لحمه وأكلوه.. ثم آل الأمر إلى أن باع المستنصر كل ما فى قصره من ذخائر وثياب وأثاث وسلاح وغيره، وصار يجلس على حصير، وتعطلت دواوينه وذهب وقاره وكانت نساء القصور تخرجن ناشرات شعورهن تصحن: الجوع.. الجوع تردن المسير إلى العراق فتسقطن عند المصلى وتمتن جوعا».


ويقول أيضا: «إن الحال فى فساد الأمور إنما هو سوء التدبير لا غلاء الأسعار».


ومن غريب ما وقع ، أن إمراءة من أرباب البيوتات أخذت عقدا لها قيمته ألف دينار، وعرضته على جماعة في أن يعطوها به " شوال " دقيق ، وكانت تسكن بالقاهرة ، فلما أخذته أعطته لمن يحميه من اللصوص في الطريق ، فلما وصلت إلى باب زويلة تسلمته من الحماه له ومشت به قليلا ، فتكاثر الناس عليها وإنتهبوه نهبا ، فأخذت هي أيضا مع الناس ملء يديها لم ينبها غيره ، ثم عجنته وشوته ، فلما صار قرصة أخذتها معها ، وتوصلت إلى أحد أبواب القصر ، ووقفت على مكان مرتفع ، رفعت القرصة على يديها بحيث يراه الناس ، ونادت بأعلى صوتها : يا أهل القاهرة .. إدعوا لمولانا المستنصر الذى أسعد الله الناس بأيامه ، وأعاد عليهم بركات حسن نظره حتى حصلت على هذه القرصة بألف دينار!


وذُكر أن امرأة سمينة قد خطفها بعض العبيد وقطعوا منها للأكل فاستطاعت الفكاك ونادت القوم فدخل الناس وقتلوا العبيد ووجدوا عظام أكثر من ألف قتيل تم أكله، وأكلت الأم وليدها والأب ولده حتى أنه كان يُقبض على الرجل فيجدوا معه كتف ابنه أو قدمه ليأكلها !


وذكر ابن إلياس أن الناس أكلت الميتة وأخذوا في أكل الأحياء وصنعت الخطاطيف والكلاليب؛ لاصطياد المارة بالشوارع من فوق الأسطح وتراجع سكان مصر لأقل معدل في تاريخها.

حتى تم استدعاء الوزير بدر الجمالي والي عكا حينها، لتنقشع الغمة رويداً رويداً، بقبضة إدارية من حديد .


وودت لو أنك أطلقت العنان لخيالك لتنظر هذا المجتمع المرعب المقذذ وكأنك تحضر فيلم أمريكي من أفلام الزومبي، وقد لا يحتمل الكثير مشاهدة تلك النوعية من الأفلام، ولو كنت تعيش في هذه الحقبة، ربما كنت أحد أبطال هذه الرواية .

وليس الأمر حصراً على المجتمع المصري حينئذ، فلو تطابقت الظروف في مجتمع آخر لتطابقت النتائج، فطبائع بني آدم واحدة في كل مكان وزمان !


أو كما يقول الفيلسوف الفرنسي چان بول سارتر:

«الجحيم هو الآخر» 


-تنتهي الأخلاق عند الجوع 

والله أعلم …

#نقاش_دوت_نت 


التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

7027
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.